المصلحة والعلمانية...
مقدمة إلى صناعة " الأصنام
"
2\2
بقلم :أد : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
a-9-0@maktoob.com
إن المشكلة تكمن في أن أولئك الذين يضعون المصلحة { بغير
شروطها التي بيناها في مقال سابق .} .أساسا تلهث الشريعة
إثره إنما تحكمهم معايير زمنية ضيقة محدودة بعمر الدنيا وحدها – وهذا هو الوعاء
الزمني الأوسع للعلمانية التي يخدمون في ربضها – يقيسون بها
المصالح والمفاسد ، ومن هنا يأتي تناقضهم مع الشريعة الإسلامية ومقاصدها التي هي
كما يقول الإمام الشاطبي ( تعتبر من حيث تقام الحياة
الدنيا للحياة الأخرى ) .
وعلى افتراض أن للمصلحة صلة حتمية بمفهوم الثقافة
واختلافاتها البيئية والتاريخية وما يجره الأخذ بها
بدون شروطها إلى الإقلاع عن ثقافة قديمة
إلى التماهي مع ثقافات عصرية فهل يدرك هؤلاء وهم يقلعون عن القديم
فإلى أي وجهة يقصدون ؟ أإلى فضاء
من اللاثقافة وهو أمر غير متصور أو معقول ؟ أم أنهم
يريدون أن ينتقلوا من ثقافة محمد صلى الله
عليه وسلم إلى ثقافة فرعون ، وجون كالفن
وجون لوك وجورج واشنطون وجوزيف ستالين ، وجورج بوش وجون سارتر ، وجون قرنق
، وشارون ؟
وألم يكن محمد صلى الله عليه وسلم على قصد في مخالفة
ثقافات غير المسلمين :
استدلالا منا بقوله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في
السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد
الحرام " البقرة 144
وقوله صلى الله عليه وسلم
" صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا "
رواه أحمد.
ولقد جاءت أوامر الشريعة ناهيةً عن كثير مما فيه
مشابهة في عبادات المسلمين وبعض معاملاتهم
، و لما صلى رسول الله في مرضه جالسًا وصلى خلفه الصحابة قيامًا أشار إليهم
فقعدوا، فلما سلموا قال: " إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون
على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا، ائتمّوا بأئمتكم" رواه الإمام مسلم.
وفيما رواه الشيخان بسنديهما عن سعيد بن أبي الحسن قال : جاء رجل إلى ابن
عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها ، فقال له : ادن مني ؛ فدنا منه ،
ثم قال: ادن مني ؛ فدنا حتى وضع يده على رأسه ، قال: أنبئك بما سمعت من رسول
الله e
، سمعت رسول الله e
يقول : (كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم) وقال: إن
كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له.
وغير ذلك مما ذكرناه في مقال سابق بعنوان " فريضة التميز الثقافي "
أم يريدمرضى القلوب منهم
أن أن
يتبرءوا من تهمة التطرف والإرهاب فذهبوا
تحت دعوى المصلحة التي اصبحت منفلتة إلى رفع تهمة
التطرف عنهم بإخضاع الإسلام للتطوير استجابة لتشخيص البارونة
كوكس وزميلها جون ماركس للحالة الإسلامية في كتابهما
" الإسلام والإسلاموية: ؟ وفقا
لما بيناه في مقال سابق
إن المسلمين أولئك الذي جاء وصفهم في صريح كلام البارونة كوكس بأنهم " الذين
يعتقدون بأن القرآن وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
ويقرون بأن الشريعة الإسلامية هي مرجعهم الأعلى في كافة شؤون حياتهم. " ..
ليسوا هم القلة – كما تزعم البارونة مع ثلتها من
الأغبياء والجهلة وذوي الأغراض المبيتة - ولكنهم عموم المسلمين الذين يصطدم بهم
الغرب في كتلتهم المليارية الممتدة على أفق الشرق
والغرب .
وفي هذا الطريق أصبحت صناعة الأصنام فنا راقيا ،
والإفتاء بحكم الشرع فيها يأتي من وزارة الفنون ، و الاختلاط الجنسي بغير ضوابط أخلاقية هو النمط
السائد : في المكاتب والمعامل والمصانع والجامعات ووسائل النقل والمصايف
والمنتزهات والملاهي بالطبع ، وأصبحت
الدعوة إلى تطبيق الضوابط الشرعية والأخلاقية الإسلامية في هذه الأركان صوتا في
فلاة ، أو دعوة تثير السخرية لأنها تأتي من " مغفلين " في "
الاتجاه المعاكس "
وأصبحت الممارسة الجنسية قبل الزواج مصلحة من أجل نجاحه
، أو من أجل تفادي أخطار الكبت ، وأصبح الحب أقدس من الزواج ، وأصبحت العلاقات
الجنسية المحرمة مقبولة في تساوق مع رفض
تعدد الزوجات ، أو حلا عصريا ينبغي تشجيعه أو غض الطرف عنه في مقابلة صعوبة الزواج
، وأصبحت العفة مستهجنة باعتبارها دعوة إلى حرمان الشباب من " نعمة الحب
" ، وأصبحت تسهيلات الحرام مساوقة لمعوقات الحلال
وأصبحت التسهيلات الطبية والاجتماعية والقانونية مطلوبة
لممارسات المراهقين والمراهقات فيما يسمى " الصحة الإنجابية " وتمكين
الشباب من تفادي الحمل - بتوزيع العازل الذكري مجانا عليهم وعليهن - أو إجهاضه
بطريقة مأمونة ، كحق من الحقوق الإنسانية حسب مؤتمرات عالمية كبرى بدءا من بكين
عام 1995 وتوابعها إلخ
وفي هذا الطريق أيضا أصبح الفن بكل أنواعه وأشكاله وألوانه
وهرطقاته ووثنياته وتجسداته
وسقطاته "سموا بالروح " و " رقيا في الحضارة " و " ساعة
للقلب " " وجمالا في الإحساس" و " مهنة " يفتح لها باب
من كواليس الفنانين و الراقصات إلى "
موائد الرحمن " ؟ !
ومن هنا نجد كل مظاهر
استدعاء الدين لدعم تصورات المصلحة عند القادة من هؤلاء
ومن هنا كان استيلاء الدولة الحديثة في العالم الإسلامي
على المؤسسات الدينية كالأزهر والإفتاء – تماما كما استولت على الإعلام والثقافة
والقضاء وكما هي مستولية على الجيوش والشرطة بالطبع - لتوظيفها جميعا وفقا لتصوراتها
وتصورات سدنتها عن المصلحة العلمانية
فتأتي الفتوى – مثلا – بتحريم صناعة التماثيل في رد على استفتاء في الصباح ثم
تأتي بجوازها في سهرة تليفزيونية في المساء ، وتأتي بجواز الصلح مع إسرائيل أو
مقاطعتها ، و تأتي الفتوى بفرض الجهاد ثم تأتي بدحضه أو منعه أو التعتيم عليه
وتشويهه باسم الإرهاب وتكون الفتوى بحلاوة وبهاء وجمال سواد عيون الديموقراطية عندما يأتي بها الوحي
من البيت الأسود ، ، ثم تكون بضربها في مقاتلها عند ما
يكون ذلك ضمن تصور آخر للمصلحة تبعا لسياسة علمانية في استئصال التيارات الإسلامية
.
عجبا : إنه ما من حاكم –
مسلما أو غير مسلم – إلا وهو يستهدف " المصلحة " وفقا لتصوره الخاص ،
فهو إذن يحكم – جدلا – بالشريعة ، وإذن فكل حاكم على ظهر هذه الأرض – إلا ما ندر
من طفولة أو سفاهة أو جنون - يحكم
بالشريعة !! بل إنه لينطبق حتى على إبليس وهو يجاهد في
تصوره للمصلحة التي نذر نفسه من أجلها في تحطيم " النموذج الآدمي " غير
المستحق للسجود !!
إن ضلال هؤلاء جاء من جهل بعضهم وتجاهل آخرين منهم أن
تصور الشريعة للمصلحة هو الأساس للمصالح الأخرى ومقدم عليها فيجب التضحية بما قد
يتعارض معها ، إبقاء للشريعة وحفاظا عليها
، وذلك على العكس من تصورات العلمانيين
قاطبة في فرض تصوراتهم الخاصة عن المصالح الدنيوية ، غافلين عن مصلحتهم العليا في
ربطها بالآخرة ، بمساعدة غفلة موظفيهم من
رجال الدين .
ويتمسح دعاة المصلحة كقائد حاكم للتشريع بالحديث النبوي
( أنتم أعلم بشئون دنياكم ) كأنهم يخبروننا بلسان الحال : أن الإسلام قدم إليهم في
خطاب سري استقالته من كل وظائفه التي تقلدها في أنظمة شئون الحياة الدنيا في
السياسة والجهاد والاقتصاد والقضاء والإدارة والتربية ..
وبالرغم مما في هذا الرأي من تفاهة وما ينطوي عليه من
سخرية بالحقيقة وبخاصة أنه تردد كثيرا في أبواق العلمانية منذ زمن ، فقد تكفل
بدحضه الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر ببيان أن للشريعة مقاصد
وأحكاما ، وأن تأبير النخل الذي جاء الحديث السابق في
سياقه إنما يدخل في باب الوسائل التي تقام بها المقاصد
والأحكام ، وهي أي الوسائل بغير خلاف
موكولة إلينا فيما جاء بمثل تأبير النخل .
يقول الشيخ محمد الخضر حسين عن تلك الوسائل : ( فهم – أي
أولي الأمر – الذين يضعون للتجارة والزراعة والصناعة نظما لا تعترض أصلا من أصول
التشريع بل يجب أن تكون في دائرته ) ثم يقول ( وهذه الفنون من أمور الدنيا التي لا
يدخل تعليمها في وظيفة الرسول إلا من حيث الأمر بإقامة كل ما يسد حاجات الأمة
ويكفل لها العزة والمنعة ) أنظر كتابه " نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ) ص
192 ط القاهرة 1344 هـ ، وتقول هيئة كبار العلماء في نقضها للاستدلال العلماني
بهذا الحديث على انسحاب الإسلام من شئون الحياة الدنيا ( إن الحديث وارد في تأبير النخل وتلقيحه ، ويجري فيما يشبه من شئون الزراعة
وغيرها من الأمور التي لم تجئ الشريعة بتعليمها ، وإنما تجيء لبيان أحكامها من حل
وحرمة وصحة وفساد ونحو ذلك ) أنظر كتيب " حكم هيئة كبار العلماء في كتاب
الإسلام واصول الحكم ) نشر عام 1344 هـ
وبيان ذلك : أن حفظ الدين مقصد ، ومدارستنا القرآن
والسنة حكم ، ولكن الوصول إلى ذلك بالتلقين ، أو بالتحليل ، أو بالتجريب ، أو على
الطريقة الأزهرية أو الدرعمية أو الباكستانية أو
الوهابية أو غيرها .. وسيلة وهي متروكة لنا طالما جعلنا الحاكم الأعلى للمقصد والحكم .
إن حفظ النفس مقصد والجهاد حكم ،
ولكن الجهاد بالسيف أو بالدبابة أو بالطائرة وسيلة وهي متروكة لنا طالما جعلنا
الحاكم الأعلى للمقصد والحكم
إن حفظ العقل مقصد والتعليم حكم ،
ولكن بناء المدرسة على هذا الوجه أو ذاك وسيلة وهي متروكة لنا طالما جعلنا الحاكم
الأعلى للمقصد والحكم
إن حفظ العرض مقصد والزواج حكم ، ولكن حفل الزواج على
الطريقة الخليجية أو على الطريقة المصرية أو على الطريقة المغاربية
أسلوب وهو متروك لنا طالما جعلنا الحاكم الأعلى للمقصد والحكم
إن حفظ النسل مقصد والزواج حكم ،
والولد للفراش حكم في إثبات النسب ، والحمض النووي لإثبات النسب وسيلة ساقطة لأنها
تتعارض مع الحكم
إن حفظ المال مقصد وحرمة الربا حكم ،
ولكن تنمية المال بتقديم الزراعة على الصناعة أو العكس أو بالتنسيق بينهما وسيلة ،
وهي متروكة لنا طالما جعلنا الحاكم الأعلى للمقصد
والحكم
إن حفظ المال مقصد وإحياء الأرض الموات حكم ، ولكن زراعتها بالري أو بالتنقيط أو بالغمر وسيلة ، وهي
متروكة لنا طالما جعلنا الحاكم الأعلى للمقصد والحكم
وفي هذا السياق جاء الحديث عن تأبير
النخل .
أي أن وضع تلك الوسائل ليس مطلقا ولا مصلحة حاكمة على
الشريعة أو محددة لها : كما قد يفهم العلماني من
( فحيثما تكون المصلحة يكون حكمها وحيثما تنتفي المصلحة ينتفي حكمها…)
ولكنها إنما تقبل أو لا تقبل تحت تحديد المصلحة
الأعلى وإرادة المقصد الحاكم : الشريعة
إن التشريع بعامة وتشريع المصلحة بخاصة لكائن ما يعني أن المشرع يضع له خطة
بنائه وخطة تشغيله
وإذن فإنه يلزم في صفات
المشرع أن يكون عالما بكل ما يتصل بما يشرع له
أن يكون عالما بتكوينه وظروفه المكانية وظروفه الزمانية
أن كون عالما بحقيقة
الخير والشر والحسن والقبح والفضيلة والرذيلة والسعادة والشقاء
أن يكون عالما بقيم الحق والخير والجمال
أن يكون عالما بالغاية القريبة والغاية البعيدة لما يشرع
له .
وإذا كان من حق أحد أن يشرع لمصلحة الإنسان باعتبارها
القيمة الأعلى والحكم المطلق فإنه يجب أن يكون عالما بذلك كله ..
لا على مستوى الإنسان فحسب ، ولا على مستوى الكوكب الذي
يعيش فوقه فحسب ، ولا على مستوى الدنيا فحسب ، بل على مستوى الكون كله أزلا وأبدا
، لأن للإنسان صلة وتأثرا وتأثيرا بذلك كله
إنه كما يقول بعض الفلاسفة :
لا يمكنك أن تعرف الجزء معرفة دقيقة حتى تعرف الكل الذي منه هذا الجزء
وكما يقولون : ليست اليد المبتورة يدا ، أي أنك إذا نظرت
إلى اليد المبتورة غافلا عن الكل الذي بترت منه فإنك لا يمكنك أن تدرك أن الذي
تنظر إليه يد ، أو شبه يد ، لأنك لا يمكنك أن تدرك ما معنى كلمة اليد .
وهكذا يمكن أن نقول : إن
العليم بكل شيء هو وحده الذي يعلم الشيء الواحد على حقيقته
ومن هنا نقول : من يعرف كل شيء
عن كل شيء وحده هو الذي يحق له أن يشرع للإنسان .
من يعرف فليتقدم ، إن الكلمة هنا ليست للعلم وليست
للفلسفة وليست للإنسان : فيلسوفا أو بتناما أو زعيما أو
حاكما أو شيخا للأزهر ، فأنى لهؤلاء أن يقرروا المصلحة التي تلهث من خلفها الشريعة
كما جاء في كلمة الشيخ ؟
إنها لله
إن الإنسان صناعة ، والتشريع للإنسان هو بمثابة وصف
الطريقة لبناء هذه الصناعة وتشغيلها
إنه من البديهي أن نقول إن بناء أي صناعة أو تشغيلها إذا
لم يكن على حسب مواصفات أوامر الصانع العارف بصناعته فإنه يؤدي إلى دمارها وإلى
خروجها عن أهدافها .. وكذلك الإنسان
ومن العجيب أن الإنسان يلتزم بذلك أشد ما يكون الالتزام
في تشغيل ساعته أو سيارته أو تليفزيونه فلا يتعدى ما رسم له عنها في "
كتالوجه " ولا يفعل مثل ذلك بصورة أدق فيما يتعلق بحركة الإنسان ومصالحه في
الدنيا وهي متصلة بمصالحه في الآخرة ، عند من لم يكن علمانيا ، وكان مؤمنا بالخالق
وبالدين عند الله "الإسلام "
إن عقل الإنسان لم يمنح له لكي يسبق الشريعة ويتقدم
عليها ببيان ما هي المصلحة ثم لتلهث الشريعة خلفه ، هذه ضلالة بحكم نظرية المعرفة
، وبلاهة في التصور ، و سخف من القول ، وافتئات على الحق ، وحمق في السلوك ،
ومنافسة مع الشيطان ، وحكم على الشريعة باللاجدوى ،
وإنما أقصى ما يكون له : أن ينظر في ورقة التشغيل التي وضعها الصانع ، وأن يلتزم بها كأدق ما يكون الالتزام أي بشريعة الله التي أنزلت إليه
منذ وجد ..
ومن هنا وجب أن نقرر أن
التشريع لمصلحة الإنسان هو من حق العالم الصانع الخالق
وكل كلمة إنما تأتي تبعا لكلمة
الله
وإذن فالأمر عكس ما يقول جون جيرمي
بنتام فيلسوف المنفعة الشهير ، وهو عكس ما يقول
العلماني المحلي أيضا ، ليس الأمر في
" كلما كانت المصلحة كانت الشريعة " بهذا الإطلاق ، ولكنه فيها بمرجعية
إسلامية ، وفي " كلما كانت الشريعة كانت المصلحة ، وإذا انتفت الشريعة بمعنى
حكمت بالمنع انتفت المصلحة وكان حكمها المنع تبعا "
وإذا قلنا إن التشريع على هذا النحو هو من حق الصانع
الذي يضع لمصنوعه
خطة البناء وخطة التشغيل فإننا
نكتشف بالتالي أن من شرع لك فإنه يستعبدك ، كشأن "
السيارة " مثلا : تظل عبدا لمن رسم لها الخطة والشغل والهدف ، وإنه لمن قبيل
الملهاة السوداء أن تقترح السيارة لنفسها أن تكون مطرحا
للنفايات ، كما يذهب العلماني في منطقه في " استعمال الإنسان " : مطرحا لنفايات الفلسفات الخائبة ، سيارة بكماء ، وعلمانية
غبية ، يحكمهما معا تصورات شائهة لمصلحة منفلتة عن مصدرها الصحيح ؛ ثم يقال باسمها : " حيثما تكون المصلحة تكون
الشريعة " ؟؟ .
يقول الله تعالى " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا
من دون الله "
فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية فقال : " كانوا يحرمون
لهم ويحلون "
وهل كان هؤلاء يذهبون ابعد مما يقال بإطلاق : " حيثما تكون المصلحة تكون الشريعة "
؟؟ وحيث تنتفي ينتفي ؟؟
إن الأخذ بتطور المصلحة في التشريع الإسلامي ليس
بالإطلاق الذي يطلقه العلمانيون باعتبارها الأصل الحاكم ، وإنما له شروط وضوابط : أهمها الملاءمة
لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا أعلى من أصوله ولا
دليلا أولى من دلائله ، ومن أهم ضوابطها أن تندرج في مقاصد الشارع الخمسة مع علو
مصالح الآخرة على جميعها ، وألا تتعارض مع الكتاب ، أو السنة ، أو الإجماع ، وألا
تتعارض مصلحة مع مصلحة أهم منها …
ومهما قيل عن رأي الطوفي في
النص والمصلحة فإن له هامشا صحيحا بغير خلاف
: ترجح فيه المصلحة الضرورية المقطوع بها – فرضا
– على النص على فرض تعارضها معه ، ويرجح
النص عليها إن كانت تحسينية ، أما إلحاق الحاجية بالضرورية ففيه الخلاف ، وهذا من قبيل
إعمال النص لا تعطيله في قوله تعالى ( فمن
اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) البقرة 173 ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه
، وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) الأنعام 119
والمقصود بالنص ما يقابل الظاهر ـ وتعريفه " هو ما
تعين لمعنى واحد ، أو هو لفظ لا يحتمل التأويل فيما هو
نص فيه . والظاهر ما احتمل أمرين هو في أحدهما أظهر .
إن الساحة المستباحة اليوم بحاجة أشد – بعد أن وصل سلطان
العرف والعلمنة في الفكر المعاصر إلى ما وصل إليه - إلى أن نطلق مصطلحا احترازيا مشتقا جديدا قديما : ( صيانة الفتوى عن أهواء العرف والعادات
والتقاليد )
أية مصلحة ؟ هذا هو السؤال
إن المصلحة لفظ مشترك بين معان مختلفة باختلاف وجهات
الثقافات والفلسفات والأديان والعقائد إلى حد التناقض
فيما بينها ، وفي بعض أحوالها مع الشريعة الإسلامية
فقد قدرها قوم بالعرف ومنه العرف الذي كان سائدا لدى
طائفة من العرب في الجاهلية بصناعة الأصنام ووأد البنات فهل تنطبق عليها مقولة : ( حيثما توجد المصلحة توجد الشريعة وحيث تنتفي المصلحة
– في الإبقاء على البنات مثلا – تنتفي الشريعة ) ؟
وقدرها بعضهم بسلطان العادات
والتقاليد الشائعة لا سيما في المجتمعات التي تسبغ على
نفسها صبغة التقدمية كمودة الأزياء النسائية التي ترى المرأة المعاصرة مصلحتها في
متابعتها وإلا خسرت ربما مصدر رزقها !! فهل تنطبق عليها مقولة ، : ( حيثما توجد
المصلحة توجد الشريعة وحيث تنتفي المصلحة
– في ستر العورة – تنتفي الشريعة ) ؟
وقدرها قوم باللذة أو المنفعة الشخصية وأقاموا لها من
النظريات ما أقاموا مثل أبيقور الفيلسوف اليوناني
المتوفى عام 230 ق م فهل إذا وجدت – أي
اللذة – في المثلية الجنسية ، أو تدخين البانجو مثلا وجدت المصلحة فوجدت
الشريعة تابعة لها ، وإذا انتفى
تدخينه انتفت المصلحة المفترضة في
تدخينه فانتفى حكم الشريعة –تابعا لها ؟.
وقدرها بعضهم بالسعادة العامة وأقاموا لها من النظريات
ما اقاموا مثل جون جيرمي بنتام ( 1748 – 1832 )
فيلسوف العلمانية المعروف في كتابه " أصول الشرائع " ترجمة أحمد
فتحي زغلول ، مطبعة بولاق
فهل إذا وجدت هذه السعادة العامة في نصب الأصنام على
النواصي ، أو إقامة عيد النيروز أو شم النسيم أو مولد ابو
حصيرة ، أو مناسبة فرعونية وثنية هابطة ..
وجدت إذن المصلحة فوجد الحكم الشرعي تابعا لها وإذا
امتنع امتنعت المصلحة وامتنع حكم الشرع – تابعا لها ؟
وإذن فما الذي يمنع تجار الشهوات
وأصحاب المنافع والأطماع والمنافع الشخصية ومؤسسات اللهو والفسوق من بذر بضاعتهم
ونثرها في المجتمع - على حد تعبير الدكتور
البوطي – كما هو شأن وزارات الإعلام والثقافة ومعاهد
الفنون ومذاهبه ، وأفلام الخنا ، ومسلسلات الفجور ،
وأغاني الرذيلة .. لتصير " سعادة عامة " ثم لتصير مصلحة عامة ثم لتصبح شرعا تابعا ، ؟
إن المشكلة تكمن في أن
أولئك الذين يضعون المصلحة أساسا تلهث الشريعة إثره إنما تحكمهم معايير زمنية ضيقة
محدودة بعمر الدنيا وحدها
إن من السهل عند هؤلاء تحويل كثير من الموبقات إلى مصالح
.
فعند جون جيرمي بنتام في كتابه أصول
الشرائع ص 273- 106 – 107 كما ينقل عنه الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص 10 – 41 في كتابه " ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية
" وهو رسالته للدكتوراة التي حصل عليها من الأزهر
لعام 1965. - تكون المصلحة في الزينة والتبرج ونصب التماثيل مصلحة سياحية
( لأنها تساعد على جلب الغرباء في البلد ، حيث ينفقون فيها من أموالهم ويتبارزون بمتاجرهم
… فالبلد التي توفرت لها أسباب الزينة مما يروق الخاطر أشبه شيء بملهى يتوارد إليه
الناس أفواجا ليروا ما فيه من الألعاب ) -- ولا يقف الأمر عند هذا الحد ولكنه يصل
إلى ( " مصلحة " ضرورية في تيسر
سبيل الاتصال الجنسي للخدم والبحارة والجنود والشباب الذين لا يقدرون على القيام
بأعباء العائلة وهم كما يقول : " محرومون من الزواج وأول تيسير لهذه الحالة
هو إجازة الاجتماع لزمن محدود " ) ؟ !!
أنظر إلى العبارة العلمانية المخاتلة " الاجتماع
لزمن محدود " إشارة إلى الزنا ، وكيف يصبح نظيفا !! بريئا
!! براءة الزيف والتزوير والتضليل إن كان للزيف والتضليل براءة عند المزيفين
والمضللين
ومن فلاسفة هذا المفهوم العلماني الفيلسوف الإنجليزي
" هوبز " ( 1588 – 1679 ) الذي يتحدث عن
سيادة الدولة فيجعلها المصدر الوحيد للقانون والأخلاق وكذلك الدين والفتوى ، ويقول
في شأن ذلك " لهذا أعلن أن سلطة الدولة العليا لها الحق في أن تفصل هي في بعض
التعاليم : هل هذه التعاليم تـُحتمل بالنسبة لطاعة المدنيين للدولة أم لا ؟ فإذا
كانت لا تحتمل فيجب تحريم انتشارها " ! والأمر عنده
في مخاصمة الكنيسة الأوربية ليس هو في أمر البحث عن الحقيقة أو القانون أو الدين
بقدر ما هو في محافظة الدولة على سيادتها
وعلى هذا المنوال جاءت علمانية الدول في بعض البلاد
الإسلامية حذو القذة بالقذة
وبخاصة وهي تحرم التدين في بعض أشكاله المعينة ، و تستتبع المؤسسات الدينية –
كالأزهر والأوقاف ودار الإفتاء – ليعمل
معها على إطفاء جذوة التدين في بعض أشكاله الأخرى ، وتنشيطه في الأشكال السلبية
، وللدولة ممثلة في الأكثرية - أحيانا - أن تفعل ما تريد ، وللجماعة أن
تستحسن أو تستقبح ما تشاء فهي مقياس الأشياء ومعيار القيم ، ومن هنا لم تعد تكتفي
بالحياد مع الدين ، وإنما تعتلي عليه .
إن من السهل عند هؤلاء أن
يستمعوا للدعوة الدينية في المناسبات والموالد والمواقف المسموح بها وتوزيع الجوائز بها !! ولكن
عند ما تأتي كفرع للمصلحة أي عندما يكون من الممكن أن يستعان بها
من حيث كونها ( مؤثرا في تنفيذ وجوه المصلحة المعتبرة لديهم ) ( إنهم يخططون
لمصالحهم التي يفهمونها وعلى الدين أن يذلل العقبات التي تقف في هذا السبيل ) .
ومن هنا كان استيلاء الدولة الحديثة في العالم الإسلامي
على المؤسسات الدينية – تماما كما استولت على الإعلام والثقافة والقضاء وكما هي
مستولية على الجيوش والشرطة بالطبع - لتوظيفها جميعا وفقا لتصوراتها عن
المصلحة العلمانية
وفي هذا يقول جون جيرمي بنتام فيلسوف
التشريع للعلمانية : ( يجب أن يكون سير الديانة موافقا لمقتضى المنفعة ، فالديانة
باعتبارها مؤثرا تتركب من عقاب وجزاء ، فعقابها يجب أن يكون موجها ضد الأعمال
المضرة بالهيئة الاجتماعية فقط ، وجزاؤها يكون موقوفا على الأعمال التي تنفعها فقط
، وهذه هي القاعدة الأولية ، والطريقة الوحيدة في الحكم على سير الديانة هو النظر إليها من جهة الخير السياسي في الأمة
وما عدا ذلك لا يلتفت إليه ) ص 307 من كتاب اصول
الشرائع لبنتام – كما ينقل عنه الأستاذ الدكتور محمد
سعيد رمضان البوطي ص 10 - 41
وأي خير وأي مصلحة وأي
منفعة ؟ : إنه إنما يكون وفقا لتصور بشري تلهث خلفه الشريعة ، أو تلهث خلفة الفتاوى وعندئذ وعندئذ فقط يمن العلماني على الشريعة بالبقاء ، ولكنه بقاء
كبقاء المرآة ينظر العلماني فيها كل صباح طالما لم تكشف قبحه وخيبته ، فإذا فضحته بيد متدين صادق
حطمها قبل أن تحطمه .
أرأيت إلى أي حد كانت مقولة المصلحة ، " متنورة
" إلى حد تبعيتها لفيلسوف " أصول الشرائع " العلمانية : جون جيرمي بنتام ؟
ومن هنا نجد كل مظاهر استدعاء الدين لدعم تصورات المصلحة
عند القادة من هؤلاء وأنها تحتم على
المصريين أن يرتبطوا بالغرب وأن يأخذوا
بكل ما يقدمه الأوربيون من تنو ير "
، ثم انتقل هذا الرأي إلى المسلمين ، وانتشربينهم
في صورة مبدأ التوفيق بين " الإسلامية والأوربية " بقولهم : ( أن عقلاء الأمة والخبيرين منهم بأغوار
السياسة لا يكرهون احتلال الإنجليز لا حبا في ذاتهم ولكن لما يرونه من المنافع
لبني جنسهم مما يحصل بأيدي الإنجليز ودفع المضرات التي لا يمكن دفعها بدونهم )
انظر سامي عزيز في كتابه : " الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي
" نشر دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ص 97- ص 139
ولقد قاد هذه الدعوة أحمد لطفي السيد باشا مناديا بنبذ
فكرة الإسلامية ، نبذا تاما بدافع المصلحة أيضا وذلك في جريدته " السياسة
" في يناير 1912 ، داعيا إلى عدم
معاونة الليبيين الذين وقعوا تحت الاستعمار الإيطالي بدعوى ( الجهاد الديني أو
الدعوة إلى الجهاد وأن هذا خطأ ضار بمصر )
جذور العلمانية للدكتور السيد أحمد فرج ص
61 ، نقلا عن مجلة المنار 15\34 ، يفعل
ذلك في الوقت الذي كان الجندي الإيطالي في ليبيا ينشد " سأقاتل بكل قوتي لمحو
القرآن " أنظر شكيب ارسلان
في " لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم " نشر دار مكتبة الحياة بيروت ط
1965ص 52
ومن هنا سقطت عند هؤلاء كل الشعارات التي دعت أو تدعو
إلى تطبيق الشريعة ، وصارت لغوا من القول
إن ضلال هؤلاء جاء من جهل بعضهم وتجاهل آخرين منهم أن
تصور الشريعة للمصلحة هو الأساس للمصالح الأخرى ومقدم عليها فيجب التضحية بما قد
يتعارض معها ، إبقاء للشريعة وحفاظا عليها
، وذلك على العكس من تصورات العلمانيين
قاطبة أولئك الذين ينطلقون مما يقرره
أمثال جوليان هكسلي في كتابه
" الإنسان في العالم الحديث " ترجمة حسن خطاب وراجعه الدكتور عبد الحليم
منتصر . نشر سلسلة الألف كتاب بإشراف إدارة الثقافة العامة بوزارة التربية
والتعليم بمصر العدد 73: أن ما هو من ثوابت الدين
مجرد صناعة من صناعات تطور الأعراف والتقاليد فيقول : ( والإله .. والجن والأرواح وغيرها من الأشياء الصغيرة الروحية من عمل
الإنسان وناشئة حتما عن نوع من الجهل ودرجة من العجز أمام بيئته الخارجية
وبإحلال المعرفة محل الجهل في هذا الميدان وزيادة سيطرة
الإنسان على بيئته نتيجة لتفكيره يتلاشى الإله ،
كما تلاشى الشيطان قبله ، وآلهة الدنيا القديمة ، وجنيات الغالات والبحيرات والأرواح المحلية . ) ص 222- 223 في المصدر
أعلاه
ويستمر قائلا : ( ويؤدي اختفاء الإله إلى تغير جوهري في الدين ، ومعنى ذلك قيام
الإنسان بتحمل التبعات التي كان من قبل يلقيها على الإله .
ويستمر قائلا ( وما هذه التبعات التي يجب على الإنسان أن يتحملها الآن ؟
أولا : الإنسان مسئول عن
تدبير أموره ،{ التشريع الوضعي } رغم جهله
وما يحيط بالعالم من أسرار(!!)
ثانيا : الإنسان مسئول
عن مصيره الذي لم يعد في يد الله (!!)
ثالثا : الإنسان مسئول عن صحة النوع الإنساني وسعادته
وإطالة الحياة على هذه الأرض في الحال والاستقبال . ص 224-225
هكذا
يقول الدكتور هرمان راندال في
كتابه " تكوين العقل الحديث " عن تأثير جون جيرمي
بنتام في حركة التشريع في القرن الثامن عشر : ( إن
الناس أخذوا يسعون لتقليد الله بوضع قوانين للمجتمع البشري فما صنعه الله للطبيعة
والإنسان معا يصنعه المشرع للمجتمع .. )
ويقول مونتسكيو وهو من فلاسفة
المشرعين العلمانيين ( لو لم يكن هناك إله على الإطلاق وتحررنا كما يجب عن عبودية
الدين {!!} فيجب ألا نتحرر من عبودية العدالة .. ) وهذا
إدراك صادق منه لعبودية الإنسان للمصدر الذي يشرع له العدالة أو المصلحة أو ما
أشبه
وإذا كان مونتسكيو ينتقل أو
يريد أن ينتقل من شريعة الدين أو من عبوديته
للدين إلى تشريع العدالة أو عبوديتها ، كما أراد جون جيرمي
بنتام – ومن لف لفه - أن ينقلنا إلى
تشريع المصلحة أو عبوديتها كنتيجة منطقية لما تقدم فإنه لا يخفى علينا أن
عبودية الإنسان للمصلحة التي تحدث عنها جون جيرمي بنتام ، أو للعدالة
التي تحدث عنها مونتسكيو إنما هي في حقيقتها عبودية منه
للمصدر الذي يحدد له مفهوم المصلحة أو العدالة وتطبيقاتها .
ومن المفارقة فيمن يتابعون فيلسوف العلمانية أن بعضهم لم
يدرك هذه الحقيقة ، بينما أدركها الفيلسوف الذي عقد العزم على أن يختلع من ربقة الدين ، بينما هم قد
ارتكسوا في موقعهم : يبغبغون
الكلمات ولا يدركون عقباها
هذه هي النتيجة المنطقية والواقعية لما يخطط له المفكرون
من زعماء العلمانية عن المصلحة والعدالة والفن والثقافة والتنوير وما أشبه ، وما يردده الببغاوات من خلفهم مهما علا منصبهم ، أو
اشتهر نشاطهم يرحمهم الله .
وإلى مقال قادم عن " تبديد الأوهام في صناعة
الأصنام "
والله أعلم