عـــهـــــود
سِــــفـَــــاح
ضريت كلاب الصيد فانتظروا الحصاد
وجاءونا بتاريخٍ كذب!
ما كان الله لينصر قاتل سيد
قطب
قتل
الأذلٌّ الأعزّ
بقلم د محمد عباس
mohamadab@hotmail.com
انظر حولك أنى شئت واسأل في ذهول كيف مسخت الأمة إلى هذا
الحد!!..
كيف أخفى الطاغوت خلف إهابه
هذا الإجرام كله، وكيف انحطت النخبة كل هذا الانحطاط..
كيف سوغ الناس لأنفسهم أن يذلوا أنفسهم كل
هذا الذل عبادة للطاغوت وخدم الطاغوت..
لماذا يذل هذا الوزير نفسه فلا يرى إلا بعيني سيده ومولاه؟..
لماذا يتعامل هذا القائد مع حاكمه بما
لا يجوز أن يتعامل به إلا مع الله..
كيف يتحول هذا الصحافي إلى عبد يهدر الحق كله والمنطق كله تذللا لولي
نعمته؟..
كيف استطاع الطاغوت أن ينشر الفساد كل هذا
الانتشار ليصل إلى فئات ما كان يجب أن يصل إليها أبدا..
كيف يمكن أن يكذب الناس وهم يعلمون أنهم
يكذبون؟ وكيف يمكن أن يتحول ذلك إلى قاعدة دونها استثناءات محدودة..
ما الذي مسخ الكتاب كي يمارسوا الدعارة
بالكلمات، والتجديف أيضا لأنهم يقولون في حق الحاكم ما لا يجوز إلا لله..
كيف انزلقت الصحافة إلى هذا المنزلق المشين..
في عهد الملك – الذي لم يكن مصريا- وتحت
نير جيش احتلال لم يكن هو الآخر – كما حدث بعد ذلك – مصريا.. كانت الصحافة تهز
العرش وتسقط الحكومات ويرتعد المسئولون منها فرقا..
الآن.. واستمرارا
لما يحدث منذ نصف قرن لم نعد نرى إلا صحفا عرفها نزار قباني وكتب عنها:
ولم أر
إلا جرائد تخلع أثوابها الداخلية
لأيِّ رئيس من الغيب يأتي
وأي عقيد على جثة الشعب يمشي
وأي مرابٍ
يكدس في راحتيه الذهب
فيا للعجب!
أيا وطني...
جعلوك مسلسل رعبٍ
نتابع أحداثه في المساء
فكيف نراك إذا قطعوا الكهرباء ؟؟؟
***
أنا بعد خمسن
عاماً
أحاول تسجيل ما قد رأيت
رأيت شعوباً تظن بأن رجال المباحث
أمر من الله..
***
كيف انتشر الكذب هذا الانتشار كله؟!
كان اكتشاف كاتب يكذب بالنسبة لي مأساة أليمة.. وتكررت
المآسي حتى كست الوجه الإعلامي كله، لتصبح المفاجأة المذهلة هي أن تكتشف كاتبا
صادقا!!
نعم..
أنبه القراء لذلك..
عندنا .. في الإسلام.. الولاء لله والوفاء لله والبراء من أعداء الله..
وعندنا في الإسلام: الصدق ليس مرتبة واحدة بل درجات فوقها
درجات.. أدناها الصدق في رواية الحدث ثم تظل تعلو وتعلو حتى تبلغ مراتب الصديقين..
ما الذي جعل كتابنا ومفكرينا وصحافيينا يستحلون الكذب هذا
الاستحلال كله.. وبالنسبة لهم فإنني أتحدث عن ازورارهم عن أدني
درجات الصدق وليس عن درجة سواها..
أما عن السياسيين فخطبهم أطم
وكذبهم أعم.
انظر إلى أي قضية وراقب ما يكتب
كتابنا عنها.. لا أتحدث عن تقوى الله – فما أبعد البون بينهم وبينها- إنما أتحدث
على أسسهم وقواعدهم لا عن أسسنا وقواعدنا، أتحدث عن أساسيات الفكر، وبديهيات
المنطق، و ألف باء التاريخ، أتحدث عن مجرد رواية الأحداث بصدق، ثم ليمارسوا
أكاذيبهم كما يشاءون في التعليق والرأي، أتحدث عمن يقرأ " ويل للمصلين"
ويسكت.. عمن يصرخ" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ويصمت.. أتحدث عن
الكذب الصريح الغادر الفاجر البواح..
أتحدث عن رواية ما لم يحدث.. وعن كتابة ليس لها مراجع.. و عن وقائع لم تحدث أبدا..
أو تلوين ما حدث من وقائع بحيث يجعلونها تعبر
عن عكس ما تعنيه تما..
نعم يا قراء هذا ما يحدث.. ولقد كان الإسلام
والمسلمون أبرز ضحاياه.. أقول الإسلام والمسلمون.. ولا أقول
الإخوان المسلمين.. لأن أي نيل من الإخوان المسلمين لا يقصد
منه أنهم إخوان ولا أنهم حزب ولا أنهم هيئة ولا أهم قوة هائلة في الشارع الإسلامي
كله.. لا يهاجم الإخوان بسبب أي شيء من
ذلك.. بل يهاجمون لسبب واحد.. هو أنهم مسلمون.. لو
كانوا مسيحيين أو يهود لما تعرضوا لهذا الهجوم أبدا..
ولو كانوا شيوعيين وقوميين علمانيين لشملتهم حصانة الشيطان..
اجتمعت آلة الكذب الجبارة لتحاصر المسلمين.. الإخوان
المسلمين..حاولوا مع قواعد الإخوان وقياداتها.. حاولوا مثلا مع حسن البنا كثيرا.. ولقد نجحوا
بالطبع لكن نجاحهم كان محدودا.. كان الإمام الشهيد قد عاش عمره كله تحت الاحتلال
البريطاني.. ولقد نجحوا في تشويه الكثير من الحقائق
لكنهم لم يطمسوا الحقيقة كلها.. أما تحت نير ضباطنا
الأحرار.. طواغيتنا الفجار .. أبناء وطننا وديننا كما يزعمون.. فقد بلغت قدرتهم
على طمس الحقيقة حدا مذهلا..
بلغت ذلك الحد الذي فوجئت فيه بصحافية مرموقة تمارس العمل الإعلامي منذ ما يقرب من أربعين عاما.. فوجئت بها تحادثني على الهاتف.. وكانت تبكي وتنتحب.. قالت لي أنها
ظلت عمرها كله تنظر إلى سيد قطب – كما يقول لها كل المحيطين بها-
على أنه رمز الشر والانغلاق والرجعية والتخلف والإرهاب في ذلك العالم، وفوق ذلك
فإن إسلامه نفسه مشكوك فيه، فالأغلب أنه من الخوارج، وواصلت الكاتبة قولها أنها
كانت تتجنب أن تقرأ له أي شيء كموقف فكري ومبدئي يشينها أن تتخلى عنه.. إذ كيف
يمكن لمثقفة مستنيرة مثلها أن تقرأ لأولئك الإرهابيين
الأشرار.. وواصلت النحيب مرة أخرى..
فسألتها في وجوم عما جعلها تغير موقفها..
و أجابتني أنها اطلعت بالصدفة على عدد من "المختار
الإسلامي".. ودفعها الفضول إلى تصفح العدد .. وكنت أستشهد فيه بقول من
أقوال سيد قطب في كتابه "معالم على الطريق".. أعجبها
القول .. وكانت ميالة إلى تكذيبي.. لأن هذا الإرهابي الخطير لا يمكن
أن يكتب بكل هذه القوة والحكمة والشاعرية.. هرعت إلى الكتاب و قرأته
في ليلة واحدة.. ثم هرعت إلى الظلال .. وبدأت تقرأ فيها.. ومن لحظتها لا تكف عن
البكاء.. كانت تبكي عمرا ضاع في ضلال .. وعقل
تاه أو تُوِّه.. وفكر ضل بل أُضل.. وحقائق
زيفت.. ووقائع أُلّفت.. وصدق أهدر..
وكذب انتشر وساد.. وكانت تبكي رعبا وهي تقول: لي لضياعي لو لم
يتغمدني الله برحمته.. يا لهلاكي لو لم أقرأ ما قرأت فأعي و
أفهم.. يا لمصيبتي لو لقيت الله بما كنت عليه..
ثم تستدرك قائلة:
إذا كان هذا التضليل أثمر معي و أنا الإعلامية المتصلة بكافة أبواب
المعرفة فماذا سيحدث للناس؟..
وتواصل النحيب..
***
كان المسلمون هم الضحايا الرئيسيين
للكذب.. فالمسلم عادة لا يكذب.. فإذا كذب أدرك أنه وقع في
كبيرة من الكبائر.. فإذا قرأ لغيره أو سمع منه تصور أيضا أنه لا
يكذب .. أما على الجانب الآخر فإن العلماني واليهودي والصليبي
يكذبون ما دام في الكذب منفعة.. وتلك نقطة أساسية جدا
أنبه إليها القراء.. وليضربوا لأنفسهم الأمثال كيفما شاءوا.. وليستعرضوا
أهم و أكبر الأسماء لكتابهم المفضلين.. ثم ليعرضوهم على مقاييس الصدق
والكذب .. ولتذهلهم النتيجة ما شاء لهم الذهول..
هل كان القراء يتصورون أن يكذب شيخ أكبر هذا الكذب كله.. و أن
يفتي قرينه بخروج الإخوان عن الإسلام و أن يذهب قرين آخر إلى أن المجاهدين في
أفغانستان رضي الله عنهم قد مرقوا من الإسلام.. والله
يعلم إن كان هذا أو ذاك قد أصدر تصريحاته تلك تحت تأثير خمر اعتاده أو مخدر
أدمنه ....؟
من كان يتصور أن يكذب وزير ورئيس وزراء
ورئيس وملك ونائب عام وقاض ورئيس تحرير..
من كان يتصور انهيار صرح القضاء العادي
عندما أقاموا إلى جانبه صرح الظلم الاستثنائي فانهار العدل كله..
من كان يتصور أن يصل التعذيب إلى هذا المدى فيخرج المسئول
الأمني الفاجر لينكره كله وهو يعلم أنه يكذب كما يعلم أن الناس يعلمون أنه يكذب.. لكن
هذا الفاجر – أيا كان- لا يفكر في غضب الله على الكذب والكذابين بل يفكر في رضا
سيده ومولاه عنه عندما يتقرب إليه بالكذب..
من كان يتصور أن يحدث الأمر نفسه مع
التزوير ومع الاختلاس والسرقة.. و أن يحفل هذا كله بتأييد
وترحيب وتستر من العلمانيين جميعا مادام الضحية هو الإسلام والضحايا هم المسلمون.
من كان يتصور أن يصيب الدنس بعض القضاة
فيتصدى لهم قضاة لا يعبدون إلا الله فتأخذ الدولة صف الفجار وتطارد الأخيار..
من كان يتصور أن يسعى الحاكم إلى إفقار
شعبه وتخلفه لأن ذلك هو الضمان له للاستمرار
من.. من.. من..
من.. وكيف .. ومتى.. ولماذا..
هل كان ذلك موجودا قبل عام 1952؟ وهل كان وجوده استثناء من
القاعدة؟
وهل تحول بعد 1952 ليصبح هو القاعدة وما
دونه استثناء؟..
من كان يتصور أن يحدث ما يحدث..؟
من بلغ به الخيال العابث الهازل أن
يتصور أن ذلك الرسم الكاريكاتوري الساخر عن لص يطارد شرطيا، والشرطي يفر وعلى سيماه ملامح الرعب والفزع قد تحول إلى حقيقة
تقع و إلى واقع يعاش؟..؟
من كان يتصور أن قطاعات عريضة من النخبة الفاسدة الفاجرة
المنحرفة تعتبر الإخوان المسلمين : " ألعن من اليهود"..
وكانوا في ذلك على درب سيدهم ومولاهم الذي استخفهم
فأطاعوه.؟
من كان يتصور أن "ألعن من
اليهود" هذه ستكون المرحلة الأولى.. أما المرحلة الثانية – وهي هدف المطلوب-
فهي أن يكون الفلسطينيون هم : الألعن
من اليهود" ثم تأتي المرحلة الثالثة التي وصل إليها الحكام والعلمانيون
المجرمون جميعا.. وفي هذه المرحلة يبقى أفعل التفضيل"
ألعن" مقرنا بالإخوان وبالفلسطينيين لكته ينفصل عن اليهود.. بمعنى أن تظل
اللعنة قرينة للإخوان وللفلسطينيين وللمسلمين وللعرب أما اليهود والصليبون فهم رمز
الرقة والحضارة والفكر والعبقرية.. أي أنهم باختصار شعب الله المختار.. واختر ما
شئت من الأوصاف العلمانية الأولي أو الوصف التوراتي الأخير.
ولم تكن اللعنة التي أطلقت على الإخوان وعلى الفلسطينيين إلا
الخطوة الأولي لتبرير سلب حقوقهما..
انظر كيف يعامل اليهود وكيف يعامل الفلسطينيون في كافة أرجاء
عالمنا الإسلامي؟..
انظر كيف يعاملون على الحدود وفي الجمارك
وفي المحافل وفي الإقامة..
من كان يتصور أن تبلغ الوقاحة والإجرام
هذا المبلغ..
من كان يتصور أن يبلغ الكذب هذا المدى
كله.. و أن يسيطر التزوير هذه السيطرة كلها..؟
من كان يتصور أن تبلغ الاستهانة بالأمة بل
بالدين إلى هذا الحد..؟
من كان يتصور أن يبلغ بنا الهوان أمام
أعدائنا أن يتحول حكامنا إلى نخاسين وسماسرة يوردون إلى إسرائيل شرف المسلمين
وكرامة العرب..و أرض فلسطين.. وعرض المسلمين؟
من
كان يتصور أن تحمي جيوشنا حدود إسرائيل.. و أن
تنكل أجهزة أمننا بمن يطوف بخياله – مجرد أن يطوف بخياله- أن يحيي شرع الله
بالجهاد في سبيله؟
من كان يتصور أن يفخر الفجار بالحياد بين
اليهود والفلسطينيين..؟ وحتى في هذه فهم كاذبون.. لأنهم ليسوا على الحياد أبدا..
من كان يتصور أن ينتهي بنا المآل وشارون صديقا وبوش وليا و
أسامة بن لادن رضي الله عنه عدوا؟
تخبرنا زينب الغزالي
عن وجه من أوجه الإجابة عن السؤال:
" حتى رجال القانون والقضاء الذين روى التاريخ نزاهتهم في
كل عصر وكانت شجاعتهم في الحق مضرب الأمثال ، رأينا بعضهم في
السجن الحربي مسخا مشوها وباطلا مزورا ، يكذبون في شجاعة ويخافون الباطل ويدافعون
عنه بجرأة . يهددون المتهم إذا لم يوقع على ما يسجلونه ويقر بكل ما يكتبونه
، بالعودة إلى مكاتب التحقيق بالسجن الحربي!"..
***
لست شغوفا بجلد وعيكم يا قراء، و لا أنا شغوف بتعذيب نفسي ،
فيعلم الله كم أتألم إذ أكتب لكم عن جحيم جوانتانامو
أو جحيم طرة، لكنني أمسك بالخيط،
و أصل إلى النتيجة، فأحاول أن أشركم معي في استخلاص البراهين كي لا تكون لكم أمام
الله حجة!!
لست شغوفا بتعذيبكم، لكنني أرى الحقيقة أمامي الآن باهرة
كالشمس جلية كنور الصبح، لقد كان الدور الرئيسي لحركة 23 يوليو، هو تحويل الصراع من صراع ما بين
مستعمِر ومستعمَر، يغذوه أن هذا مسلم وذلك غير مسلم، إلى صراع بين الأمة نفسها،
ومن هنا كانت الخيانة العظمي، ففي الصراع الأول، كان لابد للأمة أن تنتصر مهما طال
بها المدى، خاصة عندما تتراكم مقومات النصر، أما في
الحالة الثانية فالأمة تتفتت وتتضعضع وتتلاشى.
ومن هنا كان اهتمامي
بالتفاصيل..
لن أقول لكم يا قراء ما قاله رئيس حزب الاستقلال المغربي علال الفاسي
و شاركه في قوله مالك بن نبي بعد هزيمة 67 المذلة التي ما نزال نتجرع علقمها
وذلها من أن الله لم يكن لينصر الأمة في حرب يقودها قاتل سيد قطب، لست أريد
تكرار ذلك رغم إيماني به، لكن ما أريد التركيز عليه، هو
أن الكلاب الشرسة المسعورة التي مارست التعذيب ضد الأمة وفي قلب القلب منها
الإخوان المسلمين لم تكن إلا جزءا من الثورة تحمل خصائصها، والكلاب المسعورة التي
حاكمتهم كانت وجها للثورة، والكلاب المسعورة التي أطلقت الفتاوى ضدهم كانت وجها
ثانيا، والكلاب المسعورة التي ألفت وكتبت و نشرت وكذبت وشوهت كانت وجها ثالثا،
والنخبة أيضا مهما بدا براءتها من دم المعذبين لم تكن إلا كلابا مسعورة رأت ذلك
الإجرام فلم تعترض فكان عليها جرمه.
الأمة كلها شاركت في الجريمة، والأمة كلها
الآن تعاني عواقب – وعقاب- ارتكابها للجريمة سواء بالمشاركة فيها أو بالصمت عنها.
ما أريد أن أقوله، أن هذه البلاد الظالم
أهلها تستحق الآن ما يحدث لها، و أنها لكي تغير مسار الهزائم والمصائب والنكسات
عليها أن تغير ما بنفسها.
ما أريد أن أقوله هو أن أنبه أنني لا أكتب
تاريخا، كما أنني لا أدافع عن الإخوان المسلمين، لكنني أرصد علامات في الطريق و
أدافع عن الإسلام والمسلمين..
ما أريد أن أقوله أن المنهج الشيطاني المجرم، منهج الكذب
والتضليل والتسطيح الذي
مورس مع الإخوان المسلمين هو ذات المنهج المجرم الذي استعمل في إعداد البلاد
للحرب.
كانت الثورة ضد الوعي.. ضد
الصدق.. ضد الأمانة والإخلاص..
ولم تكن ضد الوعي الديني فقط.. كانت ضد الوعي كله..
يعترف الفريق أول محمد
فوزي في كتابه: " حرب الثلاث سنوات- دار المستقبل العربي" فيقول:
"المجند خريج الجامعة والمعاهد العليا هو أفضل بكثير من
المجند الأمي المسلحة في عصرنا الحالي ، الذي تميز باستخدام الأسلحة والمعدات
المتطورة وأصبحت القدرة العقلية هي المفضلة على باقي القدرات . وكانت القيادة
العسكرية قبل عام 1967 لا تهتم ولا ترغب في انضمام حملة المؤهلات العليا لصفوف
القوات المسلحة 0وكان عدم قبولهم يأتي دائما تحت عبارة "لم يصبه الدور"
أو غير لائق طبيا. وكانت اللائحة الطبية التي تطبق عليهم تحجب شرف التحاقهم
بالجندية، وكان عدد المقبولين منهم لا
يتجاوز الـ7% من عدد المرشحين . وكانت دعوى عدم قبول المؤهلات العليا تلصق دائما
بدعاوى الأمن".
كانت الثورة ضد الوعي حتى على المستوى العسكري!!
فالوعي يكشف الأكاذيب ويمحق التضليل..
يقول محمد فوزي في نفس المذكرات أن منع نشر
تفاصيل و أسباب الهزيمة العسكرية عام 1956، بينما كان العدو-المنتصر!!- يعمل بجدية
في التجهيز لمعركة جديدة، معركة 67، والتي كررنا
فيها نفس أخطاء معركة 1967، فكانت الهزيمة..
هذه هي أقوال الناصري المتعصب
وليست أقوالي أنا!!
***
كانت الثورة ضد الوعي كله..
فما بالك إن كان هذا الوعي متعلقا بالخالق ..بالله
جل جلاله..
وما بالك إذا كان حامل لواء
هذا الوعي شهيد بحجم سيد قطب.
ورغم هذا فقد كان طوفان الكذب الهادر هائلا
حتى لم تبق حقيقة لم تشوه..
***
يصيبني الرعب يا قراء من حجم الابتلاء..
يصيبني الرعب..
يصيبني الرعب من : "
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( القصص56)..
يصيبني الرعب..
يصيبني الرعب من :" وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ (آل عمران 86) .. يصيبني الرعب..
يصيبني الرعب من يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ
اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (إبراهيم 27)..
يصيبني الرعب ..
لا أنوي الاعتذار لأحد.. أو على الأحرى لا أجرؤ..
لكنني فقط سأحاول التنبيه إلى علامات الطريق منبها القارئ، أن
ما حدث في أبي غريب ، وما حدث في جوانتانامو
هي فصول في نفس الرواية، التي تشكل فصولا مبكرة من فصولها، فصل "تمثيلية
المنشية"، وفصل "مذبحة طرة"،
وفصل "أخدود قضية "1965.. وكلها
فصول في نفس الرواية أو الملحمة إن شئت.
اقرأ ما حدث عام 1965.. واقرأ ما يحدث في جوانتانامو.. واقرأ تصريحات البريطانيين المفرج
عنهم حديثا من السجون المصرية في قضية حزب التحرير حيث أقسموا أنهم سيفضحون أمام
العالم التعذيب الهمجي الوحشي في السجون المصرية و التي لا تختلف عما يحدث في جوانتانامو و أبي غريب..
اقرأ ما يحدث في محاكمات قادة البعث في العراق.. لفقوا التهم
.. و أرغموا الشهود على التوقيع بما لم يحدث .. وعذبوا المتهمين، ومناصبهم رفيعة،
بل وهتكوا أعراضهم.
أقول:
لو أن الأمة تصدت لما حدث أعوام 1947 و 1948 و 1954 و 1965 لما
حدث ما حدث بعد ذلك ولما كنا في الوضع الكارثي
الذي نجد أنفسنا فيه الآن..
نعم.. كانت قضية 1965 أخدودا آخر.. اندفع فيه سيد قطب و
تلاميذه إلى النار مدركين أنها النار، لكنهم اقتحموها إيمانا
وتضحية وفداء لكي تعلو كلمة الله.
اقتحموها كي تظل قضية الإسلام حية إلى أبد الآبدين..
***
لكن من حق القارئ المضلل والمغيب وعيه والمزيفة وسائل
إعلامه أن يتساءل هل كان سيد قطب صاحب
أخدود آخر ، أو الحسين بن علي مرة ثانية، على رأس جيش المؤمنين، وكان يحارب طاغوتا
مجرما باع الآخرة وخسر الدنيا من أجل شهوة السلطة، أم كان سيد قطب – كما نبحت
الكلاب المأجورة وعوت الذئاب المسعورة- رجعيا ظلاميا
ألقى تهمة الكفر على المسلمين دون حق فباء هو بها؟!..
هل كان سيد قطب خائنا وكان عبد الناصر هو الأمين؟
هل كان جمال عبد الناصر بطل الوحدة العربية؟ وبطل القضاء على
الاستعمار؟ وبطل التصنيع؟ وبطل المواجهة؟ أم كان
على العكس من كل ذلك تماما.
من خان ومن كذب ومن هان ومن شرّف ومن
شان..؟
من الذي كذب؟ ومن الذي زور ؟ ومن الذي قلب الحقائق؟ ومن هو
الإرهابي حقا؟ ( ونحن هنا نستعمل كلمة الإرهابي بمفهومها الشائع
وليس بالمفهوم الإسلامي)..
لنخرج من ثنائية الإخوان والثورة لنأتي بشاهد
من الدائرة الأولى حول عبد الناصر..
***
سوف نترك واحدا من المقربين من عبد الناصر
يروي لنا كيف سحقته الآلة الإعلامية الجبارة التي وقودها الناس ومحركها الكذب
وضحيتها الحقيقة.
لنستمع إلى اللواء عبد الحميد الدغيدي
– كما ينقلها لنا الدكتور محمد الجوادي
في العديد من كتبه التي تشكل مرجعا رئيسيا في هذه الدراسة ومنها: "الطريق إلى
النكسة" و " في أعقاب النكسة" عن دار الخيال.. لنستمع إليه كيف
طوته الآلة الإعلامية الضخمة بالكذب الذي صدقه عنه أقرب
الناس إليه: أمه و أبوه.
كان اللواء الدغيدي
واحدا ممن حذروا بشدة من الهزيمة عام 67، وبعد الحرب أحيل للمحاكمة العسكرية بتهم
تتعلق بالمسئولية عن النكسة، ولكن المحكمة العسكرية – رغم الضغوط عليها ورغم المظاهرات
الشعبية و أجواء النكسة – قضت ببراءته ، ليس بسبب عدم كفاية الأدلة، بل لسبب آخر
لم أسمع به في حياتي قبل ذلك، وهذا السبب هو:
"انتفاء التهمة"!، ويرفض القائد العسكري التصديق على الحكم، لأن الحكم
بهذا المنطق والمنطوق يعد إهانة أو اتهاما لصاحب قرار
الإحالة، وهو هنا وزير الحربية وعبد الناصر نفسه، ويحيله القائد إلى محكمة عسكرية
أخرى، وكان الاتجاه الرسمي قاطعا بالرغبة في صدور حكم بالإدانة، لكن المحكمة
الثانية تقضي بذات الحكم وذات المنطوق المهين للآمر بالإحالة: "البراءة
لانتفاء التهمة"!..
ثبت إذن بالدليل القاطع والبرهان الساطع عدم مسئولية اللواء الدغيدي عن أي تقصير في الهزيمة، وهي شهادة لا
يملك مثلها – لا حقا ولا مجازا- جمال عبد الناصر نفسه، وكان ينبغي تأسيسا على هذا
الحكم البحث عن المجرم الحقيقي الذي لا يمكن نفي التهمة عنه، لكن ذلك لم يحدث، على
العكس، بل على الرغم منه لم تغير الآلة الإعلامية الجبارة موقفها من اللواء الدغيدي، كان المطلوب ذبحه ككبش فداء حتى ولو ذبحت الحقيقة معه، وكان المطلوب اتخاذه
شيطانا يرجم، كي لا يفكر أحد في رجم الشيطان الحقيقي.
فلننقل عن اللواء الدغيدي
ما فعلته به الآلة الإعلامية الجبارة الكاذبة، الآلة
الإعلامية التي حولت الجناة إلى أبطال والأبطال إلى جناة، تماما كما حدث في قضية
الإخوان المسلمين.. يقول اللواء الدغيدي:
"اختار جمال عبد الناصر وهو المسئول عن النكسة ثلاثة
ليكونوا آلة في يده يحركها كما تشاء إرادته لإخلاء مسئوليته ومن ثم مسئوليتهم عن
الهزيمة بتزوير التاريخ وبتزوير الحق وتعمية الشعب عما حدث . . في يده أطراف
المشانق . . وعلى رقاب الثلاثة تلتف خياتها
يشد حبل المشنقة إن حاد أحدهم عن هدفه ويشد الأطراف الثلاثة إن شذوا عن إرادته. فزوروا
ما حدث وقلبوا الأوضاع رأسا على عقب فأصبحوا كالعرائس والدمى تحركهم خيوط البغي
والهوى".
نعم.. هذا
ما فعلته الثورة في كل قضاياها: تزوير التاريخ وتزوير الحق وقلب الحقائق وتعمية
الشعب عما حدث.
وكان النجاح في هذه السياسة مذهلا..
يواصل اللواء الدغيدي:
" رُجمت
مرارا في الشوارع وأهنت إلى أدنى وأبذأ حد
أينما تواجدت في أي مكان بألفاظ فاحشة وإيماءات مخزية قبيحة » ورجم بيتي بالطوب
والحجارة ء وطورد أبنائي وكانوا أطفالا(...) وطردوا من المدارس ، كما أهين أقاربي
وكل من يحمل لقب " الدغيدي"
أبلغ إهانة، ونبه المخلصون والمحبون على الأبناء
والإخوة والأقارب ألا يستعملوا لقب " الدغيدي"
خوفا من الاعتداء عليهم، ومازالت الهزيمة حتى الآن تطاردني (...) وكم من بيوت تحطمت وخربت، وزوجات طيارين
انفصلن وتطلقن، أما عن الغدر والتخطيط الوضيع لقلب الحقائق والإفك فأضرب مما اتخذ معي مثلا "..
أذكر القارئ أن هذا كله كان يحدث رغم تبرئة
المحكمة
ولنترك اللواء الدغيدي
يطرح علينا بعض آثار الكذب وقلب الحقائق
رغم براءته بانتفاء التهمة:
كان يزور صديقه وجيه أباظة محافظ البحيرة في ذلك الحين ،
وكان أول من قابله هناك الطفل "عزيز أباظة" وكان عمره خمس سنوات، واجهه بعد أن شارك الإعلام الجبار في غسيل مخه
الطفل:
- أنت جبان ياعمو. . لأنك هربت..
بل إن ابن أخ الدغيدي
نفسه - وكان أيضا في الخامسة، وكان ينظر قبل ذلك إلى عمه كبطل ومثل أعلى - يصرخ
في وجهه:
- ياعمو
أنت هربت وعرّيتنا..
ويواصل اللواء الدغيدي
قوله:
- حتى أبى وأمي - رحمهما الله - كانا
ينظران إلى بعطف الأبوة والأمومة ولكن في النظرات وفى الحركات أنهما يكنان لي
الاحتقار.
***
إنني أريد هنا أن أشير في ذهول إلى بطش جهاز إعلامي يستطيع أن
يقلب عليك حتى أقرب
الناس إليك: أمك و أباك..
أكتبها في ذهول..
و أحسها في رعب..
لكنها رغم الذهول والرعب كانت كبلسم داوى
جرحا لم يكن قد اندمل منذ أن وعيت بوجوده..
نعم..
لطالما كواني الجرح، أنني كنت واحدا ممن انخدعوا جزئيا
بالثورة، لا على سبيل المباركة والتأييد بل على سبيل الاعتذار والتبرير، وعندما من
الله علىّ فتكشفت أمامي الحقائق لم أسامح نفسي أبدا، بل لقد تضاعف رعبي، فذلك أمر
قد كشفه الله لي فأدركت مدي خطيئتي وجرمي، وكان الوقت متاحا أمامي لكي أكفر عن
ذنبي و أبرأ إلى الله منه ملتمسا المغفرة لائذا بأبواب الرحمة، هذا ذنب انكشف لي
فماذا عن ذنوب لم تنكشف وكيف أواجه الله بها يوم القيامة
ولم أكفر عنها ولم أبرأ إلى الله منها.
ظللت لا أسامح نفسي أبدا، حتى شفى نفسي و أبرأ سقمها اكتشافي
أن اللواء الدغيدي لم يسلم من إدانة
أمه و أبيه، وزوجته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه..
عندما قرأت هذا التمست المعاذير لنفسي راجيا أن يغفر
لي الله.
إن هذه الشذرات
من مذكرات اللواء الدغيدي لا تغني أبدا عن
قراءة المذكرات كاملة، ففيها نكتشف ماذا كان يحدث على المستوى العسكري، وعلى مستوى
الإعداد للحرب. كانت إسرائيل تخطط لحربنا.. وكان قوادنا يخططون لحرب الإخوان
المسلمين، أو على الأحرى المسلمين. يتناول اللواء الدغيدي
في مذكراته أخطاء تصل فداحتها إلى حد أنه لم يجد تفسيرا لها إلا تفسير الخيانة
العظمى، كما يكشف التقصير المذهل للإعداد للحرب، وللتسليح ، وللتخطيط، وللتعبئة،
ولم يكتف اللواء الدغيدي باعتراض صامت، بل
واجه عبد الناصر شخصيا بذلك قبل الحرب، فحملها له عبد الناصر و أسرها في نفسه
لينتقم منه بعد الهزيمة إذ كيف يتسنى لضابط مهما كان كبيرا أن يتوقع ما لم يحط به علم الفرعون.
و أنا أقرأ مذكرات
القادة العسكريين قبل وبعد النكسة
كنت أسأل نفسي مذهولا : كيف غفلت عن كل هذا؟ كيف غفلت الأمة؟ كيف شاركت
النخبة العلمانية المجرمة في التعتيم والتضليل؟ كيف تم التعتيم مثلا على حجم
المعركة التي كانت تدور في اليمن، وعلى صراخ القادة وتوسلاتهم لإنهائها لأنها تدمر
الجيش أفرادا وعقيدة وتدريبا ومهمات، كيف تم إخفاء حقيقة أن عدد قتلى – قتلى وليس
شهداء- الجيش المصري في حرب اليمن أكثر من ضعف ضحايانا في هزيمة 1967..
نعم..
كم من القراء يعلم أن الجيش المصري فقد في اليمن أربعة وعشرين
ألف قتيل، و أن الشعب اليمني فقد أكثر من مائة ألف قتيل، و أن مشاهد القتل في
اليمن لم تكن تختلف عما نشاهده الآن في العراق، حيث كان الأسطول المصري ينسف قرى بكاملها،
في رمضان، ساعة الإفطار.
كانت القوة الرئيسية الضاربة للجيش في اليمن..
وكنا نستدرج أو نغامر أو نخون
فلا نتجنب حربا أخرى مع إسرائيل..
أمريكا بكل جبروتها وقوتها تتجنب خوض معركتين في وقت واحد..
نابليون وهتلر كسرهما خوض المعركة في جبهتين..
أما ثورتنا المباركة وضباطنا الأحرار (!!) فلم يكونوا يأبهون
لمثل هذه البديهيات العسكرية..
دخلت الثورة الحرب مع إسرائيل وقلب الجيش مرتهن في اليمن و
أسلحته معطلة هناك.. وما زلت أذكر كيف أن محمد حسنين هيكل كتب أيامها – مطمئنا
الناس- أن الاقتصاد المصري لن يتحمل شيئا من تبعات حرب اليمن، لأن الاتحاد
السوفيتي تعهد بتحمل النفقات جميعا وتعويض الخسائر كلها.
دائما ستوجد قوة عظمى تتحمل
النفقات ما دام القتلى مسلمين..
الوضع الآن لا يختلف..
وهو قبل الآن لم يكن يختلف..
لقد ظللت دائما أرفض فكرة الخيانة كتفسير
لما حدث مع الإخوان المسلمين وفي هزيمة 67، رفضتها حتى بعد أن قال بها بعض ضباط الثورة، لكن رفضي الآن يتقلقل، ويقيني من
استبعاد الخيانة يتزلزل
المؤلم والمرعب أن مذكرات اللواء الدغيدي
كانت مما قاطعته عقودا من الزمن.. كما قاطعت مذكرات كل من
ظننتهم أسباب النكسة أو من يحيطون بهم.. وكان خطأ فادحا. لا أبرئ أحدا ولكنني فقط
أقول أن الآلة الإعلامية الجبارة كاذبة ومجرمة و أنها قلبت الحقائق وزورت التاريخ،
وهذا ما لن أمل أبدا من تنبيه القراء إليه..
معظم ما قرأوه
وما يقرءونه كذب..
جل ما سمعوه بل وما شاهدوه كذب..
تم الانتقاء لتزييف الوعي وتزوير اقتناعات وهدم أخرى..
نعم..
الحقيقة والصدق والشرف كانت ضحايا
وكان على رأس ضحايا
الكذب والتشهير : الإخوان المسلمون..
***
ثمة تساؤل هنا لابد أن يضاف..
قلت أن الخيانة لم تعد مستبعدة كما كانت..
لكن ثمة تساؤل آخر لابد أن يضاف..
فعندما نتقدم في الزمن من أعوام 65-67 إلى أعوام 81-82 سوف
نواجه ادعاءات البعض أنه كانت هناك فكرة
لتخفيف حكم الإعدام عن الشهيد – إن شاء الله- خالد الإسلامبولي،
لكن إسرائيل كانت تشترط إعدامه للانسحاب من سيناء، و أن السلطة قدمت الشهيد قربانا
إلى الغرب. قربانا إلى الغرب لضمان الانسحاب من سيناء، فهل كان ما حدث عامي 1965 و
1966 شيئا مثل ذلك. لقد قدمت الثورة خميس والبقري
عام 1952 كقربان للغرب وكدليل على أن الثورة ليست شيوعية، ثم قدمت الإخوان قربانا
عام 1954 لضمان الاستقرار في الحكم. كان الثمن هو رأس
الإخوان والتعهد بحل مع إسرائيل. عام 65 كان أيضا خروج
مصر من حلبة التسابق النووي مع إسرائيل، فهل كان ذلك قربانا آخر؟ ثم البطشة الثانية بالإخوان عامي 65 و إعدام
الشهيد سيد قطب عام 1966.
هل كان ذلك قربانا وميثاقا من جمال عبد الناصر أنه ماض على
عهده مع الغرب.. كأنما يقول: لقد أوفيت لكم بعهدي في القضاء على الإخوان، وها أنذا أجدد لكم العهد بإعادة القضاء عليهم،
هل كان جمال عبد الناصر مطمئنا أنه وقد جدد العهد فلن يخون الغرب العهد معه؟ وهل
جاءت الخيانة الكبرى في تفاصيل هزيمة 67 نفسها أم جاءت من الخارج؟ بمعنى التساؤل
هل كان هناك من داخل كواليس الجيش أو السياسة ( الكلام مثلا عن السادات وعن بعض العسكريين كثير) أم
كانت الخيانة من الاتجاه العكسي. من الغرب. كان ما تصوروه أن البطشة الكبرى بالإخوان قد قضت عليهم، و أنه
لن تقوم لهم بعدها قائمة، و أنه والأمر كذلك، فلم تعد بهم إلى جمال عبد الناصر من
حاجة، لذلك فقد قرروا القضاء عليه عام 67.
نفس الأمر يحدث دائما لكن الطواغيت لا يتعظون أبدا..
نفس الأمر حدث قيل ذلك وبعد ذلك.. وعندما تنتهي الحاجة للطاغوت
الأحمق يلفظ كنواة لم يعد لها وظيفة ولا حاجة أو بذرة لم يعد لها قيمة أو فضلات لا
تحمل إلا السموم فلا مناص من التخلص منها.
فد يندهش القارئ من قولي أن جمال عبد الناصر قد قايض بالإخوان
وقدمهم قربانا إلى الغرب..
لكن هذه الدهشة ربما تضمحل عندما يقرأ في مذكرات واحد من
المقربين إلى عبد الناصر، وهو الفريق مدكور أبو العز، والذي استعان به عبد الناصر بعد الهزيمة قائدا للطيران.. يقول مدكور أبو
العز:
" .. ثم يطلب منى الرئيس في إصرار إحالة عشرة من خيرة
الطيارين ذوى الخبرة الطويلة الممتازة على الطائرات المقاتلة والمقاتلة القاذفة
إلى المعاش لأن أقاربهم ينتمون إلى جماعة
الإخوان المسلمين ليس غير، فتملكتني دهشة
عارمة وقلت في ضجر: كيف ذلك يا سيادة الرئيس ؟ ! شيء من هذا لا يمكن أن يحصل وكيف
لي أن أعيد بناء القوات الجوية من جديد وأجنحتي تقطع هكذا !.
وأضفت أن هؤلاء يتولون قيادة الأسراب المقاتلة والمقاتلة
القاذفة، وهم يقومون بتدريب الطيارين الجدد على فنون القتال، لقد كلف الواحد منهم الدولة حوالي ثلاثين مليون من الجنيهات
أي أنهم كلفوا الدولة حوالي ثلاثمائة مليون من الجنيهات . إنني
لا أستطيع أن أفرط في أحد منهم لمجرد أنهم ينتسبون بالقرابة إلى بعض أعضاء جماعة
الإخوان المسلمين ".
لقد رجوته في إلحاح
ألا يفعل ذلك ء فرد على الرئيس :
ولو. . . أنت لا تعرف الإخوان المسلمين . .
دول ألعن من اليهود!.
يا إلهي.. يا إلهي..
ولو. . . أنت لا تعرف الإخوان المسلمين . .
دول ألعن من اليهود!.
***
هل يستطيع القارئ بعد أن طالع قصاصات من الحقيقة أن يفصل بين البطش بالإخوان المسلمين وما
بين النكسة.
في هذا الصدد لابد أن نؤكد أن الهزيمة عام 1967 و إن كانت
منطقية ومعبرة عن محصلة الفكر العسكري ونوع السلاح والتدريب، إلا أن حجمها هو الذي
كان مفاجئا، حتى أن الوزير أحمد طعيمة،
وهو من المقربين إلى جمال عبد الناصر يقول أنه لم يحدث في التاريخ أن فر جيش بهذا
الحجم بهذه الطريقة.
المذهل أيضا هو حجم النذر التي توفرت، والتي
كان يمكن أن تجنبنا ولو جزءا من الكارثة، بل ويروى عن بعض القادة العسكريين – منهم
الفريق عبد المنعم رياض- أننا لو تنبهنا إلى هذه النذر في الوقت المناسب لتغير وجه
التاريخ. إن ملفات التحقيقات في الهزيمة
والتي لم يشأ أحد أن يكشفها أو يسلط الضوء عليها تظهر على سبيل المثال أن هناك جهة
أجنبية حذرت عبد الناصر فعلا من أن إسرائيل ستهاجم صباح الخامس من يونية، أما الإنذار الثاني فقد كان من ضابط
المخابرات المقدم إبراهيم سلامة، والذي أكد من موقعه في نقطة متقدمة من العريش وفي
مساء الرابع من يونية أن الهجوم
الإسرائيلي سيبدأ في الصباح، وفي صباح الخامس من يونية
أرسل عبد المنعم رياض إشارة التحذير المتفق عليها بانطلاق الطيران الإسرائيلي
للهجوم، ولم تصل الإشارة، كان مركز الاستقبال مغلقا، وكانت الشفرة قد تغيرت، وتمت
مجازاة المتسبب، رقيب أول وعسكري!!.. أما
الكارثة الكبرى، والتي لم يتحدث عنها فيما أعلم أحد فهو أن الحرب عام 67 لم تبدأ
بضربة الطيران، بل بدأت بالحرب البرية حيث أتمت إسرائيل احتلال "أم بسيس " داخل الحدود المصرية الساعة السابعة والربع من صباح الخامس من يونية، أي قبل الضربة الجوية بأكثر من ساعة،
ويرى بعض الخبراء العسكريين أن انعدام رد الفعل من جانب المصريين، وعدم ظهور
الطيران المصري بعد بداية الهجوم البري، هو الذي شجع إسرائيل على ضربتها الكبرى،
ضربة الطيران. ويرجح بعض هؤلاء القادة أنه لو استجاب الطيران المصري فلربما ألغت إسرائيل الضربة كلها.
***
قد يتساءل القارئ لماذا يهرب منا الكاتب،
ولماذا جرفه التيار فانزلق من أحداث عام 1965 و 1966 إلى الهزيمة المروعة المذلة
المهينة عام 1967.. وعلى هذا القارئ- أخي في الله- أرد أنه لا يجوز الفصل أبدا، بل علينا أن
نتحدث عن أحداث 1965 و 1966 و 1967 كأحداث وثيقة الاتصال ببعضها
البعض يربط بينها ما يربط النتيجة بالسبب. فالمنطق الذي لفق القضايا ونكل و عذب
وحكم بالإعدام هو بذاته المنطق الذي أدى للهزيمة والخراب، هذا من هذا وذاك من ذاك،
ولا انفصام. وهذا ما سوف نعود إليه كثيرا
في الصفحات والفصول التالية. ولكن
علينا أن نتخلى عن كثير من معلوماتنا السابقة، فقد كانت كذبا في كذب، كان التزوير
هو الأساس، وكان الباطل هو القاعدة.
لقد تعرض سيد قطب للآلة الإعلامية الهائلة الباطشة الجبارة،
حتى أن البعض يرى – خاطئا- أن سيد قطب فوجئ بما واجهه رجال الثورة به، كان الرجل في حياته السابقة على الثورة – أو العورة كما
سماها اللواء محمد نجيب- يواجه أقطاب
الفلسفة والنقد والفكر والأدب والتفسير، وكان يواجههم في معارك طاحنة سلاحها القلم
وميدانها الفكر، ولكن هذا المفكر العملاق فوجئ – كما يزعم أصحاب هذه الفكرة- بقوانين الصراع تتغير، و بأن من في مواجهته لم
يعد مفكرا عملاقا، بل جلادا وقاطع طريق. جلادا
يجادله بالسوط لا بالقلم، وبالمشنقة لا بالفكر. و أنه، أقصد الطاغوت، وهو يقتل
الشهيد، كان يقتل الأمة، بنفس المنهج وبنفس الفكر.
نعم..
كان الكذب نفس الكذب..
وكان الكفر ملة واحدة..
كنا نستطيع أن نكتشف حقيقة مواقف الإخوان
المسلمين من خلال ما حدث لقيادات الجيش التي حمّلوها زورا مسئولية الهزيمة..
كما أننا يمكن أن نفهم حقيقة ما حدث في السجن الحربي من خلال
ما يحدث في جوانتانامو
و أبي غريب..
نفس الهدف
ولو لم يكن يوجد من دليل سوى تشابه وسائل
التعذيب لكان ذلك كافيا لنسبة أبناء الحرام إلى نفس الأب الداعر.. كان العرب
القدماء يفعلون ذلك وكانوا يثبتون النسب المشتبه عن
طريق القيافة.
***
في المقال الماضي كنت أكتب عن غرفة في معتقل جوانتنامو عليها لافتة كبيرة مكتوبا
عليها باللغة العربية “جهنم” . وتلك هي الغرفة التي خصصت لطالب العلم وحافظ كتاب
الله “فاروق المكي” يتجرع فيها أشد أنواع
التعذيب الجسدي والنفسي مع استهزاء
بالإسلام بل بالقرآن، فمرة يوضع تحت رجل المحقق، وأخرى يرمى على الأرض..
لم تتفرد أمريكا بذلك، بل لقد سبقناها.. فمنذ أربعين عاما كان
المصحف في سجوننا يمزق ويداس كانت
المجاهدة زينب الغزالي تري غرفة للتعذيب وكانوا يطلقون عليها نفس الاسم: جهنم..
هل تذكرون ما رويته عما حدث لسامي الحاج ومن أنهم قد هتكوا عرضه.. ولقد سلم عرضه
بالمقاومة والاعتراض وهتك عرض كل من لم يقاوم أو يعترض
.. هتكت أعراضنا نحن .. لا على سبيل المجاز بل على سبيل
الحقيقة.. هتكت أعراضنا.. بداية من الشيخ عاشور وانتهاء بجوانتانامو لاظوغلي ومدينة نصر وكل وكر أمن في
ربوع بلادنا
***
فلننح الأكاذيب إذن ولنسمع شهادة حق في أحداث
1965 والتي انتهت بإعدام الشهيد سيد قطب..
لنسمع شهادة حق: شهادة المجاهدة زينب الغزالي ( من كتابها
الهام: أيام من حياتي، باختصار وتصرف- )..
تلخص زينب الغزالي ما
حدث قبل عام 1965 فتقول:
ومرت الأيام وجاءت أحداث 1954
ونكباتها ومخازيها التي أسقطت القناع عن وجه جمال عبد الناصر لتظهر عداءه للإسلام
ومحاربته له في شخوص دعاته وقيادات نهضته ، وصدرت أحكام الإعدام البشعة على قمم
القيادات الإسلامية : الشهيد المستشار عبد القدر عودة ، صاحب الفضيلة العالم
الأزهري الورع الذي رصدت القيادة البريطانية في القنال عام 1951 عشرة آلاف جنيه
لمن يأتي به حياً أو ميتاً : الشيخ محمد فرغلي الذي أُهدي للاستعمار ميتاً. حتى
المجاهد الكبير الإمام حسن الهضيبي
حكموا عليه بالإعدام ، ولم ينفذ ، فقد أصيب فجأة بذبحة شديدة بالقلب نقل على أثرها
للمنزل وقرر الأطباء أنه لن يعيش إلا ساعات ، وهنا ظهر عبد الناصر فأصدر عنه عفواً
، متوقعاً أن يقرأ نعيه في الصحف صباح اليوم التالي . ولكن قدرة الله أحبطت كيده ،
وعاش الإمام . فلكل أجل كتاب ، نعم عاش ، ليؤدي بعد ذلك خدمات للمسلمين ويقود
الدعوة الإسلامية في أحلك أيام شهدتها الدعوة ، وقد
أظهر قوة الصلابة في الحق وهو المريض بعدة أمراض مما أذهل الجلادين وجعلهم يقودونه
إلى السجن الحربي مرة أخرى ويعذبونه بأبشع أنواع التعذيب ، ولكنه ظل متمسكاً بالحق
سائراً على طريق أصحاب الدعوات إلى أن شهد هو نهاية عبد الناصر وزبانيته وهو صامد
، رافع أعلام الحق والتوحيد الذي أعتقده ، متلبس بكل
حبات وجوده ، وأخذ بالعزيمة ولم يتسرب إلى نفسه ضعف أو وهن في دين الله ورفض أن
يأخذ بالرخص . بل أني لأذكر له هذا الموقف الكريم الشجاع حينما أراد بعض من طالت
عليهم المدة واعتراهم بعض الضعف أن يأخذوا بالرخصة ويكتبوا للطاغية مؤيدين وملتمسين
العفو منه ، وسألوا الإمام حسن الهضيبي
أن يأذن لهم في ذلك فقال قولته المشهورة : " أنا لا أكره أحد على الأخذ
بالعزيمة والوقوف معنا ، ولكني أقول لكم : إن الدعوات لم تقم يوماً بالذين يأخذون
بالرخص " .
تواصل زينب الغزالي:
بعد تمثيلية المنشية و مشانق
1954 ومذبحة طرة كان الطاغوت المجرم
يحاصر عائلات الشهداء والمعتقلين.. كان يحاصر ويجوع ويوقف
المرتبات ويفصل من العمل ويرفض التعيين في الوظائف ويجعل من قيام أي إنسان
بالتنكيل بالإخوان وعائلاتهم أمرا يستحق الإشادة والمكافأة..
كانت الضمائر تصرخ..
جملة اعتراضية: ( وكان ممن صرخت ضمائرهم الشهيد حامد قرقر..
وهو والد الدكتور محمد مورو رئيس تحرير هذه المجلة.. والذي حكم عليه بالسجن عشرة
أعوام لأنه آخى إخوانه من أسر المعتقلين كما آخى الأنصار المهاجرين.. دفع لهم جزءا
من راتبه..وجعله الطاغوت يدفع حياته مقابل
هذا..كان من شهداء مذبحة طرة..).
تنتحب الحروف في كلمات المجاهدة زينب الغزالي:
كان الأطفال جياعا .. والأسر التي انعدمت مواردها تحسبهم
أغنياء من التعفف..
كان الجميع من المتفرجين على ما يحدث. ولما اشتد بي الألم على ما وصلت إليه الأمور . ولم أجد لنفسي مخرجاً . ذهبت
لزيارة أستاذي الجليل صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأودن
(...) كان يستمع إليّ في ألم شديد
. وأنهيت حديثي بعرض ما فكرت في عمله في حدود إمكانياتي . وكنت أرى أنه لا يكفي أن
نتألم وجراح الجوع وجراح السياط وجراح العرايا وتشرد النساء والأطفال يجرى بقسوة
وشدة في دوائر حياة الدعاة والملبين والمجاهدين لتكون كلمة الله هي العليا . (...)
بكي قائلاً لي : قد أصبح فرضاً حتمياً عليك أن لا
تبخلي بجهد في هذا الطريق وما تقومين به اجعليه بينك
وبين الله تبارك وتعالى ثم أضاف : إن المنقذ الوحيد بأمر الله للإسلام هم هؤلاء
المعذبون " الإخوان المسلمون " لا أمل لنا إلا في الله ثم في إخلاصهم
وما يبذلون في سبيل الدعوة . اعملي يا زينب كل ما تستطيعين عمله .
***
كان هذا هو أساس تنظيم 1965..
أما منهجه الإرهابي الخطير فقد كان تربية
الأمة و حتمية إعداد أجيال في شخوص الشباب الذي نرجوه أساتذة في التوجيه والإعداد
للأجيال المقبلة:
تقول المجاهدة زينب الغزالي:
وكانت ليالي طيبة
وأياماً خالدة ولحظات قدس مع الله ، يجتمع عشرة أو خمسة
من الشباب ويقرءون عشر آيات تراجع أحكامها وأوامر السلوك فيها وكل غاياتها
ومقاصدها في حياة العبد المسلم . وبعد تفهمها واستيعابها يتقرر الانتقال إلي عشر
آيات أخرى إقتداء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
ومرت أيام حلوة طيبة ونعمة من الله تحتوينا ونحن ندرس وندرس
ونربي أنفسنا ونهيئ للدعوة رجالها بشباب اقتنع بضرورة الإعداد لقيام
دعوة الحق العادل .. قررنا
فيما قررنا ـ بتعليمات من الإمام سيد قطب وبإذن الهضيبي
ـ أن تستمر مدة التربية والتكوين والإعداد والغرس لعقيدة التوحيد في النفوس .
والقناعة بأنه لا إسلام إلا بعودة الشريعة الإسلامية وبالحكم بكتاب الله وسنة
رسوله لتصبح شريعة القرآن مهيمنة على كل حياة المسلمين ، قررنا أن يستغرق برنامجنا
التربوي ثلاثة عشر عاماً ، عمر الدعوة في مكة ، (...) وكان فيما قررناه بعد تلك الدراسة الواسعة ، أنه بعد مضي
ثلاثة عشر عاماً من التربية الإسلامية للشباب والشيوخ والنساء والفتيات ، نقوم
بمسح شامل في الدولة فإذا وجدنا أن الحصاد من أتباع الدعوة الإسلامية المعتقدين
بأن الإسلام دين ودولة ، والمقتنعين بقيام الحكم الإسلامي قد بلغ 75% من أفراد
الأمة رجالاً ونساءً ، نادينا بقيام الدولة الإسلامية ، وطالبنا الدولة بقيام حكم
إسلامي ، فإذا وجدنا الحصاد 25 % جددنا التربية والدراسة لمدة ثلاثة عشر عاماً
أخرى وهلم جرا ، حتى نجد أن الأمة فد نضجت لتقبل الحكم بالإسلام .
وما علينا أن تنتهي أجيال وتأتي أجيال ، المهم أن الإعداد
مستمر ، المهم أن نظل نعمل حتى تنتهي آجالنا ثم نسلم الراية مرفوعة " بلا إله
إلا الله ، محمد رسول الله " إلى الأبناء الكرام الذين يأتون من بعدنا . وكنا
على اتصال بالأستاذ محمد قطب ، بإذن من المرشد
العام ، كان يزورنا في بيتي بمص الجديدة ليوضح للشباب ما غمض عليهم فهمه وكان
الشباب يستوضحونه ويسألونه أسئلة كثيرة يجيب عليها .
***
كان هذا المنهج الإرهابي الخطير هو سر
أسرار تنظيم 1965 الإرهاب!!
كان هذا هو المنهج الذي ما يزال ألف نابح
ينبحون عليه فيقتطعون كلمة من هنا وكلمة من هناك صارخين: هذا هو الإرهاب.. على
منوال: لا تقربوا الصلاة وويل للمصلين..
***
كان هذا سر أسرار تنظيم 1965.. أما
العملية الإرهابية الخطيرة لاغتيال قائد القومية العربية وزعيمها الملهم ( ولم
يقولوا لنا أبدا من الذي يلهمه.. ولا من أين يجيئه الإلهام .. بل و أنكروا – على
الأقل – صلة الدين بالدنيا) فقد كان أصلها نكتة أخذتها أجهزة المباحث والمخابرات
على أنها مؤامرة.. نكتة قالها سيف الإسلام حسن البنا:
"كان جمال عبد الناصر مسافرا في الطريق الصحراوي بالسيارة
إلى الإسكندرية وكمن له جماعة من الجيش في سيارة جيب ليغتالوه . وفى
اللحظة الأخيرة تغير نظام سفر عبد الناصر، وسافر بالقطار، والغريب في الموضوع أن
السيارة الجيب هربت فلم يستطيعوا القبض عليها ولا على من فيها. "
ومن أجل هذه النكتة يضيع الوطن والأمة والدين منذ أربعين
عاما.. وما يزال..!!
***
ما أريد أن أقوله، والأسى يشتعل
بين جوانحي جمرا يتأجج هو أنني في نهايات العمر، أكتشف اكتشافا
مذهلا، كان كفيلا بأن يزلزل كياني، لولا أن الله سبحانه وتعالى قد منّ عليّ بنعمة لا أعلم كيف أحمده عليها، إلا
أن يعينني وهو الكريم على الارتقاء إلى مرتبة الحمد، وتلك النعمة هي أنني أثق في
البصيرة أكثر من ثقتي في البصر، فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ
تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ،
كما أنني أعطي عقلي حجمه، فلا
يتجاوزه، و أدرك أنه – سبحانه - يعلم ما
في نفسي ولا أعلم ما في نفسه و أنه علام الغيوب، و أدرك أنه حق، وأنه الحق، كما أدرك أن الإسلام حق بذاته مستغن عمن سواه،
حتى ولو لم يؤمن من الخليقة فرد، أو لم يظلل الإسلام من البسيطة شبر. نعم.. فالضوء
موجود ولو لم يوجد في الكون شيء ينعكس عليه، والهواء موجود ليس لأن الكائنات
تتنفسه بل العكس هو الصحيح. فكذلك الإسلام.. فهو ليس موجودا لأن الناس اعتنقته، بل
اعتنقه الناس لأنه موجود. موجود بالتنزيل من رب
العالمين.. موجود و إن أنكره كل جبار عتيد أو كل كفار
عنيد يتصور بعقله المنحرف أن هذا الوجود البشري الثري المتنوع يمكن أن يوجد دون
قانون إلهي ينظمه. هذا القانون
هو الإسلام.
نعم .. في نهايات العمر، أكتشف اكتشافا مذهلا، أشد ما فيه
مرارة، أن القتلة والخونة واللصوص والسفلة وحتى الأغبياء، يعرفونه معرفتهم للبديهيات فكأنما
ولدوا معه وبه وعليه، يغذونه ويتغذون عليه، لم يعانوا في اكتشافه ما عانيت ولا هم مكثوا من
الزمن كي يعرفوه ما مكثت..
هذا الاكتشاف المذهل، هو أن الكذب ليس أمرا
عارضا في هذا العالم، ليس أمرا يتعلق بقليل من الأشرار أو حثالة من الفجار، لكنه
هو الأساس.. والصدق هو الاستثناء!!. وكأنما
النسبة بين الصادقين والكاذبين في هذا العالم هي ذات النسبة بين بعث أهل النار
وبعث أهل الجنة يوم القيامة.. فالكاذبون: من كل ألف: تسعمائة
وتسعة وتسعون. ويترتب على هذا الاكتشاف أن
الآخرين يعتمدون الكذب سلاحا رئيسيا في معركتهم ضد الإسلام، يعتمدونه كسلاح لا
يمكن لمعركتهم ضد الإسلام أن تستمر يوما واحدا دون ترسانة هائلة منه.. من
الأكاذيب، إذ كيف يمكن دون هذه الأكاذيب أن يفسروا كل هذا الحقد والغضب والخوف
والعداء للإسلام والمسلمين، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا
بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، لأن ذلك الإسلام هو الوحيد القادر على
أن يكفل العدل والرحمة والحق في الدنيا، كما أنه هو الضامن والكفيل بعدم انجراف
التاريخ البشري إلى مرتبة تفوق في وحشيتها حيوانات الغابة وتتفوق بشرها على
الشيطان ذاته. عبادة الله تعني – فوق معانيها الإيجابية- التوقف عن عبادة غير
الله، عن عبادة القوة واللذة والغنى، تعني محاولة تجنب العقاب الأخروي بالصبر على
مواجهة الطاغوت الدنيوي والظلم البشري، هذا الطاغوت وهذا الظلم هم سدنته ورعاته
وحماته، هم الظلام والإسلام هو النور القادر على القضاء عليهم فلذلك يكرهونه وينسجون
حوله الأكاذيب.
أدرك هذا على وجه العموم، و أدركه على وجه
الخصوص فيما ألصق زورا وكذبا بالإسلام عبر التاريخ وبالإخوان المسلمين من تاريخ
كذب. أدرك مدى شيوع هذا الكذب وخطورته فأفهم لماذا شدد الإسلام في مسؤولية الدس والبهتان على
الناس، حتى جعلها من التي لا كفارة لها، قال صلى الله عليه وسلم: {خمس ليس لهن
كفارة، الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ويمين
يقتطع بها مالا بغير حق} ـ الإمام أحمد عن أبي هريرة ـ
بل زاد الإسلام على ذلك فصرح بأن الكذب والإيمان، لا يجتمعان في قلب إنسان أبداً.
ولقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: {أيكذب المؤمن؟ فقال إنما
يفتري الكذب الذي لا يؤمنون بآيات الله} ـ ابن عساكر عن أبي الدرداء ـ وقال أيضاً مهدداً ومتوعداً الدساسين
المفترين {من بهت مؤمناً أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله يوم القيامة
على تل من النار، حتى يقضى بين الناس} ـ ابن النجار عن علي. وعندما سئل رسول الله
صلى الله عليه و سلم أيسرق المؤمن؟ قال نعم. أيزني المؤمن؟
قال نعم, أيكذب المؤمن؟ قال لا.
أدرك ذلك.. وقد أفهم منطقا أن يقف الكفار بكل طوائفهم من
ديانات محرفة إلى مذاهب فكرية منحرفة .. لكن
ما لا أفهمه أبدا أن يتورط في هذا الكذب مسلمون..
***
لقد قلت لكم أنني لا أكتب تاريخا يا قراء، ولا أروي روايات ولا
أسرد أحداثا و إنما أفعل مثلما فعل الكاتب الذي أضاء الله إن شاء الله بصيرته
الأستاذ الدكتور محمد محمد
حسين في مقدمة الجزء الثاني من كتابه الرائع المروع: " الاتجاهات الوطنية في
الأدب المعاصر" – مكتبة الآداب، حيث يقول: " وقد كان همي في هذا الجزء،
كما كان في سابقه، أن أرسم الخطوط الكبيرة العريضة، و أوضح الاتجاهات العامة
والتيارات الأساسية التي سيطرت على هذه الفترة، ولم تكن الأحداث ولا الأفراد في
نظري إلا صورا من هذه الاتجاهات و أمارات تدل عليها، فحيثما جاء ذكر حادثة أو فرد
في هذا الكتاب، فليست الحادثة ولا الشخص هو المقصود.." .. نعم أنا أحاول أن
أفعل نفس الشئ فلا أقصد الحدث ولا
الشخص وإنما أنقب عن علامات على الطريق
ترشدكم و إياي إلى إجابة عن السؤال الدامي: كيف وصلنا إلى هذا الحضيض؟ وهل كان منه
مفر؟.. و أنا أزعم أنني عثرت على علامات هنا وهناك، كما أزعم أن الإجابة عن السؤال
الثاني: نعم : كان هناك مفر. كان هناك مفر لو أننا
صدقنا رجالا أنار الله بصيرتهم مثل الشهيد العظيم – إن شاء الله- سيد قطب الذي علم
حين جهل الناس ورأى حين عموا وسمع حين صموا وفهم حين خيم عليهم الغباء، فكتب يقول
في مجلة الرسالة عام 1951 :
الذين يعتقدون أن الأمريكان يمكن أن يكونوا معنا ضد الاستعمار
الأوروبي هم قوم إما مغفلون أو مخادعون، يشغلون طابوراً خامساً للاستعمار المنتظر
لبلاد الشرق الأوسط، إن مصالح الاستعمار الأمريكي قد تختلف أحياناً مع مصالح
الاستعمار الأوروبي ،ولكن هذا ليس معناه أن يكونوا في صف استقلالنا وحريتنا .إنما
معناه أن يحاولوا زحزحة أقدام الأوروبيين ليضعوا
هم أقدامهم فوق رقابنا. وفي الغالب يجدون حلاً لخلافاتهم مع الاستعمار الأوروبي
على حسابنا.
إن الرجل الأبيض هو عدونا الأول. سواء كان في أوروبا أو كان في
أمريكا..وهذا ما يجب أن نحسب لهُ حسابه. ونجعله حجر
الزاوية في سياستنا الخارجية ،وفي تربيتنا القومية كذلك. ولكن الذي نفعله هو عكس هذا على خط مستقيم .
. عندنا في وزارة المعارف عبيد للرجل الأبيض . . عبيد
يعبدون هذا الرجل كعبادة الله .. بل إنهم ليلحدون في الله ولا يلحدون في أوروبا أو
أمريكا .سراً وعلانية . . وعندنا في معاهد
التربية التي تخرج المدرسين ،فتؤثر بذلك في عقلية أجيال بعد أجيال . . عندنا فتات
آدمي ينظر إلى الرجل الأبيض نظرة التقديس، ويطبع مشاعر الطلبة الذين
سيصبحون مدرسين بطابع الإعجاب والقداسة لأولئك المستعمرين القذرين ،الذين
يحتقروننا ويهينون كرامتنا ،فنتلقى ذلك منهم بالشكر والثناء . . . وهذه جناية
قومية وجناية إنسانية . . هذا هو الاستعمار الذي بثته في أرواحنا المدرسة المصرية التي تنفذ
أهداف الاستعمار إلى اللحظة الحاضرة .بل
يقوم على رأسها وزير كان من عُبّاد إنجلترا ثم أضحى من عباد أمريكا ومعه معاهد
تربية تتعبد أمريكا من دون الله في الأرض!!(...) إن الاستعمار لا يغلبنا اليوم
بالحديد والنار ،ولكنه يغلبنا قبل كل شيء بالرجال الذين استعمرت أرواحهم وأفكارهم،
يغلبنا بهذا السوس الذي تركه الاستعمار في وزارة المعارف ،وفي الصحف ،والكتب
،يغلبنا بهذه الأقلام التي تغمس في مداد الذل والهوان الروحي لتكتب عن أمجاد
فرنسا، وأمجاد بريطانيا وأمجاد أمريكا.. ( نقلا
عن كتاب أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب- المؤلف: الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي - دار المنارة للنشر والتوزيع جده ـ
السعودية الطبعة الخامسة)..
***
هل قرأت أيها القارئ أي عقل جبار قتلوا صاحبه فكتبوا بقتله شهادة
ميلاده الثاني، وهو ميلاد يبدأ حياة جديدة للشهيد لا يستطيع الطاغوت ولا عبيده وخصيانه النيل منه فيها، لقد منحه الطاغوت الجبار الفاجر الميتة التي
منحته الخلود فلا يذوق بعدها كربات الموت أبدا، هل قرأت أيها القارئ هذه المعاني التي صاغها الشهيد منذ نيف
وخمسين عاما وهي ما تزال طازجة كأنما لم تكتب بعد أو كأنها كتبت لتوها.
اقرأ أيضا فقرة سبق أن استشهدنا بها
في مقال سابق لكن كم الاستبصار وبعد النظر الكائن فيها يدفعنا للاستشهاد بها مرة أخرى.. يتحدث الشهيد بإذن الله عن سيطرة رجال
المخابرات الأجنبية ـ والأمريكية على وجه الخصوص ـ على
الصحف والمجلات في مصر، وتوجيهها لها لتخدم مخططات أولئك الأعداء يقول :«إن الصحف
المصرية ـ إلا النادر القليل ـ مؤسسات دولية، لا مصرية ولا عربية ،مؤسسات تساهم
فيها أقلام المخابرات البريطانية والأمريكية والمصرية والعربية أخيراً !!مؤسسات تحرر
صفحات كاملة فيها بمعرفة أقلام المخابرات هذا لتروج دعايتها في أوساط الجماهير
،مؤسسات تخدم الرأسمالية العالمية أكثر مما تخدم أوطانها وشعوبها الفقيرة ،وهذا هو
السر في أن الدولة لا تفرض عليها القيود التي تفرض على الكتب .لأن وراءها أقلام
المخابرات ومصالح الرأسمالية العالمية ،وهي كفيلة بأن تسندها
وتذلل لها العقبات وتفسح لها الطريق ،لنشر دعايتها المستوردة في أطراف البلاد
العربية جميعاً..
واقرأ أيضا أبها القارئ قوله الجامع
المانع القاطع لكل قول بعده:
إن شيئاً واحداً ينقص هؤلاء الأمريكيين ـ على حين تذخر أمريكا
بكل شيء ـ شيء واحد لا قيمة له عندهم ...الروح..
***
هذا البطل المجاهد هو الذي دأب
أولياء الشيطان على الكذب عليه وعلى تشويه سيرته.. وهذه هي صورته الحقيقية التي
يحاول عبيد الطاغوت تلويثها بالأوحال والأوساخ الطافحة من أرواحهم الدنسة..
هذا هو البطل المجاهد الذي ما زال الكثيرون الذين قرءوا عنه
يصيبهم الذهول عندما يقرأون
له..
هذا هو الشهيد الذي جعلوا جلادا مجرما كحمزة البسيوني سجانه.. ومن المجرم شمس بدران آسره..
ومن الجلاد القاتل فؤاد علام شريكا في كل
ما جرى للشهيد لكن الله اختصه بوصمة عار أخرى أدعو الله أن يعذبه بها يوم القيامة.. هذه الوصمة هي اصطحابه للشهيد
إلى المشنقة..
إنني أرجو رئيس التحرير ألا
يحذف الصفات التي قد تعتبر من السب والقذف في الجلادين.. كل الجلادين من الطاغوت
الأكبر إلى من ذكرت إلى العميد سعد زغلول عبد الكريم، إلى العقيد حسن خليل إلى
المقدم نور العفيفي ( محافظ جنوب سيناء
بعد ذلك ) إلى الرائد جلال الدين إلى الرائد رياض إبراهيم إلى الرائد حسن كفافي إلى عبد المقصود الجنزوري إلى النقيب عاصم العتر إلى النقيب
إحسان العجاتي إلى النقيب هاني
إبراهيم، إلى صفوت الروبي إلى نجم الدين مشهور
إلى محمد المراكبي
إلى فتحي عبد الغفار غله إلى على حافظ إلى محمد خاطر إلى تقي الدين سليمان إلى سامبو إلى زغلول إلى...إلى...
إلى... إلى عشرات و آلاف تحولوا إلى كينونة
تبرأ من بشاعتها الكلاب والجرذان والذئاب والأفاعي والوحوش.. فكل واحد منهم
ليس سوى أبي جهل.. نعم أبو جهل و أبو لهب أو أمية بن خلف لا أملك إلا أن أصرخ في
مواجهته صرخة سيدنا بلال رضي الله عنه:
" رأس الكفر أمية بن خلف .. لا نجوت إن
نجا".. فدعني
يا رئيس التحرير – أقسمت عليك- إما أن أدفع الأمة للثأر من الجلادين والانتصاف
للشهداء أو أحملها وزر الصمت عليهم كي لا تكون لهم أمام الله يوم القيامة حجة..
دعني أهرب إلى السجن من خزي الصمت على هؤلاء
الوحوش..
دعني يا رئيس التحرير أرجوك
أواجههم.. و إن كنت أعرف أنهم أجبن من المواجهة.. ولقد
أعلنت هذا التحدي لهم مرارا طيلة الأعوام الماضية دون أن يستجيب أي واحد منهم..
***
لن أمل أبدا من تكرار أنني لا أكتب تاريخا، كما لا أنتصف
للشهيد العظيم – أحسبه كذلك – من الطاغوت الجبار – أحسبه كذلك- ولن أكف عن التسليم الخاضع المؤمن بأنه لا أنا
ولا أي واحد آخر في هذا العالم بقادر على أن يتألى
على الله ليقول هذا في الجنة وهذا في النار إلا فيمن أخبرنا الله ورسوله صلوات
الله وسلامه عنهم.. لكن هذا لا يسلمني إلى شلل فكري تنمحي فيه
التخوم بين الصواب والخطأ وبين الحق والباطل.. ونحن
لا نتكلم عن أفراد هنا وأفراد هناك.. لا نتكلم عن سيد قطب
وعبد الناصر.. ولا عن الثورة والإخوان.. فالأمر ليس تناصرا
عرقيا ولا تعصبا قبليا.. لكننا نتكلم عن منهج إن ضيعناه ضعنا
.. ذلك أن الخلاف لم يكن أمرا تبيحه الرؤى
المتعددة بل كان انحياز جزء من الأمة إلى مخططات الأعداء بصورة تكفل للعدو في
النهاية هزيمة هذه الأمة.. سواء كانت الخيانة سوء
فعل أدرك من يرتكبها أنه يخون أم غرته الأماني وخدعته الظنون.. وكما
أنه بين الإيمان والكفر شعرة فالأمر بين الخيانة والأمانة كذلك.. كما أنني أؤكد
أن الأمر كذلك ليس قضية تعذيب ولا
استدرار للشفقة أو استجلاب للدموع، وهي أمراض استشرت فينا بعد نيف وخمسين عاما من
الإذلال والقهر وتدمير هوية الأمة، فأصبح التوسل وطلب العفو والمرحمة هي السبل إلى
قلب المسئول وعقله، ونسينا الجهاد وطلب القصاص والمحاكمة، نسينا التقويم بالسيف بل
وعجزنا عن التقويم بالقلم، وأصبحت مصادرة صحيفة على سبيل المثال قضية أرزاق
الصحفيين لا قضية طاغوت مجرم يصادر فكرا، كما أصبحت قضية المعتقلين ليست قضية ولاة
أمر مجرمين يملكون السلطة ويدوسون على القانون وينتقون من القضاء ما يبرأ منه
القضاة ، فنعترف نحن لهم بكل ذلك، ونطالب بالإفراج عمن لم تصدر ضدهم أحكام، بينما
نحن نعلم قبل سوانا أن ما صدر من الأحكام جله أملاه الطاغوت المجرم الجبار على قاض
من قضاة النار، وقد أثمرت بذور الشيطان تلك في علاقاتنا الدولية مع المسلمين في
شتى أنحاء العالم، فتحولت قضية الحبيبة السليبة فلسطين إلى قضية لاجئين وحساب
مفتوح للصدقات وتصرف خسيس بمقاطعة حماس بعد أن أمرت إسرائيل طواغيتنا الأشداء
علينا و الأذلاء أمام أعدائنا بأن
يقاطعوها فقاطعوها، تحولت فلسطين إلى
قضية لاجئين ونسينا: "هذه أمتكم أمة واحدة".. وتحولت قضية المسلمات
المغتصبات في البوسنة إلى سؤال فقهي هل يباح الإجهاض بعد الاغتصاب أم لا يباح ونسينا الثأر والعرض والأرض فأي مسوخ شائهة
ذليلة خسيسة بلا قلب ولا عقل ولا ضمير ولا خلق ولا إرادة مسخ الثوار والقوميون
والشيوعيون العلمانيون الكفار شعوبهم إليها..
أي مسوخ
مسخونا إليها..
أي مسوخ..
فمن أجل عملية المسخ هذه كان لابد للثورات أن
تقوم.. خاصة الثورات العسكرية.. كانت هي السبيل
الوحيد لخداع الأمة كي تجرفها بعيدا عن
طريق الجهاد الذي شد ما يخشاه الغرب إلى الحضيض الذي صارت الآن فيه بغض النظر عن
النوايا فأمرها إلى الله..
في هذا الإطار.. وفي إطاره وحده يدور
حديثنا عن الشهيد العظيم وعن الإخوان المسلمين حريصين أشد الحرص على توخي الصدق..
بنفس درجة حرص أعدائنا على توخي الكذب. إلا أن الأمر ليس سهلا
ولا بسيطا ولا مباشرا و إلا
ما كان خلقنا الإنساني في كبد، نعم.. يتصور البعض أن تمييز
الخبيث من الطيب سهل، أو أن التفرقة بين الصدق والكذب ميسورة، و أن اكتشاف تزييف
الوعي والكذب على التاريخ في المتناول.
والأمر ليس كذلك.. بل لعل هذه الصعوبة هي جوهر الابتلاء
الإنساني..
الأمر ليس سهلا و إن صدقت النوايا فما بالنا إذا لم تكن النوايا صادقة..
ففي الواقع لا يمكن رؤية الأشياء عندما تكون قريبة جدا ودقيقة
جدا أو هائلة جدا أو مكنونة داخلك. فالذرة لا يمكن رؤيتها بالعين
المجردة، وكذلك لا يمكن رؤية الكرة الأرضية كجرم سابح في الفضاء، ولا يمكن للمرء
أن يرى قلبه، كذلك فإن العين ترى الأشياء لكنها لا ترى نفسها. والواقع أن الصدق هو
الأصل، وهو كالإسلام، هو الفطرة التي يولد الإنسان عليها فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه، فكذلك يولد الصدق حقا أبلج
أبهر، فيتولاه بعث النار حتى يهودانه أو ينصرانه ويجعلانه حداثيا علمانيا قوميا رأسماليا أو شيوعيا. فنحن
لا نتحدث عن صدق وكذب مجردين.. بل نتحدث عن صدق وكذب مموّهين.. عن صدق يشوهونه حتى يبدو أنه كذب.. وكذب يجملونه حتى
يبدو أنه صدق.. عن باطل يلبس ثوب الحق وحق يلبسونه
ثوب الباطل.. عن خسة ترتدي ثوب الحكمة وحكمة تغيب
أو تغتال.. عن نصف صدق أنكى من الكذب..إن جاز
للصدق أن يتجزأ.. وهو ما لا يجوز ولا يمكن.. إذ
كيف يكون رجلا نصف شريف وكيف تكون امرأة نصف عفيفة..
***
وفي هذا الصدد يكفي أن أضرب المثل بتزوير الانتخابات والتعذيب،
و أن أشير إلى أن أقصى أحلامنا في مصر الآن أن نعود بالأوضاع إلى ما كانت عليه يوم
23 يوليو 1952، وتذكروا أن أقصى أحلام القضاء الآن أن يعود مجلس القضاء الأعلى
بالانتخاب كما كان قبل مذبحة القضاء عام 1969. و أقصى أحلام الجامعة والأحزاب وما يسمونه المجتمع المدني هو أن تعود البلاد إلى
ما كانت عليه قبل عام 1952.
وفي هذا الصدد أيضا يكفي أن أقول أن القدرة
الهائلة الفذة على إلباس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق وامتهان الصدق وعدم
الخجل من الكذب.. بل والفخر بالكذب كلها آفات تعود إلى مؤسسة الفساد والكذب.. أكبر مؤسسة في بلادنا.
في هذا الإطار يجب أن نقرأ تاريخ الأمة..
وتاريخ الثورة وتاريخ الإخوان المسلمين. ويجب أن يكون القارئ واعيا
بحجم الكذب في كتابات الكتاب. أتكلم عن الكذب الفاجر لا عن الخطأ أو افتقاد المنهج
العلمي أو التحليل الخاطئ والتناقض البين..
***
يا إلهي..
لشد ما خدعونا.. لكن من جلت قدرته.. وتعالت على الأفهام حكمته.. يكشف لنا الأسرار حين يشاء.. حتى
أننا نستطيع أن نفهم بعض أسرار ثورة 52 فيما يحدث الآن في العراق.. ذلك
أن ما تسعى إليه أمريكا ليس مجرد الاحتلال العسكري وليس مجرد البترول وليس مجرد
المحافظة على إسرائيل.. بل إنها تسعي إلى ما يكفل
لها هذا كله.. ولن يكفل لها ذلك إلا تحطيم البنية الرئيسية
للشعب العراقي المسلم.. وكان أقوى الأدوات في ذلك ليس محاولة سحق الإسلام الجهادي
والجهاد الإسلامي فقط.. بل كان إلغاء الإسلام كعنصر رابط بين طوائف الأمة.. وبإلغاء
الإسلام تنفجر العصبية القبيحة للعرق أو المذهب فتدخل الأمة في حرب أهلية ولو بغير
رصاص تتواجه فيها القوى وتتعادل حتى يظل الاحتلال محتلا ولو بدون جيش..!!
أليس هذا هو الموجود في كل الدول العربية الآن و أولها مصر..
***
أعود لأقول أن ثورة 23 يوليو لم تكن حلقة منفصلة من حلقات
التاريخ، بل كانت حلقة أدت إليها حلقات قبلها ( سبعون عاما من الاحتلال بذل خلالها
البريطانيون قصارى جهدهم لتكوين نخبة تخدم أغراضهم بعد الجلاء المصطنع) .. كما أن
الثورة نفسها كانت حلقة أسلمتنا إلى حلقات بعدها مجللة بالخزي والعار مظللة
بالهزائم.
ولم يكن الأمر سوء حظ.
منذ أكثر من مائة عام كانت انجلترا تعد لانفصال السودان عن
مصر، فلماذا لا يفهم البعض أن تكون الثورة حلقة في خطة بدأت منذ مائة عام لتطرح
ثمارها المرة بعد خمسين عاما أخرى.
***
نعم مؤامرة تقسيم السودان لم تبدأ الآن.. ما يبدأ الآن هو
الفصل الأخير.. أو لعلها الصفحات الأخيرة في سِفر من ألف صفحة.
لشد ما آلمني محمد حسنين هيكل في حديثه إلى صحيفة الدستور في
عددها الأول لعامها الثاني- العدد 53 في 22-3-
حين تحدث عن سبة هائلة وجريمة دامية للعهد الحالي حينما تورط في إمداد جارانج بالسلاح نكاية في المسلمين في الشمال..
بدا هيكل مترفعا نبيلا يقطر حكمة وطهارة
واشمئزازا من الفعل الدنس المشين الذي اقترفه النظام الحالي..
لكن الذي أخفاه هيكل أن الذي بدأ هذا الفعل
الدنس الخائن المشين لم يكن العهد الحالي بل كان جمال عبد الناصر..
ولنطالع ما جاء في كتاب خطير عنوانه: " اللعبة الكبرى:
المشرق العربي والأطماع الدولية - هنري لورانس- ترجمة د عبد الحكيم الأربد- إصدار الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان" .. ففي صفحة 157 يأتي بالنص:
" واستقال ( الرئيس محمد نجيب) من رئاسة الجمهورية يوم 25فبراير .كان الجيش منقسما على نفسه. (...) وخطب عبد الناصر في
المتمردين ولكنه لم يفلح في إقناعهم فاستسلم بدوره يوم 27أما نجيب فقد أعيد إلى
السلطة
.واستقبل
الناس النبأ بمظاهرات فرح جبارة لعب فيها الإخوان المسلمون دورا كبيرا. (...) ..
وفي تلك الأثناء كان عبد الناصر يعمل على استعادة سيطرته على
الجيش (...) واستسلم
نجيب (...) وفي نوفمبر 54 نحي عن السلطة
دون تعيين رئيس جديد ووضع تحت الإقامة الجبرية . (...)
كان لكل هذا نتائج
هامة على السودان . فقد كان نجيب فيه ذا شعبية كبرى خاصة وأن له فيه
أقارب أما عبد الناصر وجماعته فلم تكن لهم فيه شعبية بالمرة لذلك
أدى سقوط نجيب بالسودان إلى التخلي عن الاندماج مع مصر والى اتجاه نحو الاستقلال .
وحاول عبد الناصر وأنصاره لفترة إيقاف هذا التطور بل وشجعوا ثورة في جنوب السودان
المسيحي الوثني ضد الشمال المسلم . وعمقت هذه العملية التعارض بين جزأي السودان
وهو ما كانت له عواقب وخيمة على مستقبل السودان
.
***
لا ترفع إذن ولا نبل ولا حكمة ولا طهارة..
بل اشمئزاز.. وقرف.. فقد
كان عبد الناصر أول من ساعد المتمردين في جنوب السودان.. على أن ذلك ليس هو بالضبط
ما يهمنا هنا و
إنما الربط بين ما فعله عبد الناصر في السودان عام 1954 والهدف الأمريكي لتفتتيت السودان والذي تسوقنا أمريكا إليه في
دارفور الآن.. وسواء عرف عبد الناصر حينها حقيقة
الدور الذي كان يقوم به أم لم يعرف فقد كان
حلقة في تفتيت السودان .. و أظن أنه حصل على الثمن..
استقرار حكمه .. أما مسئولية هيكل فهي أشد و أقسي لأنه منذ عام 1950 يؤكد أن
السودان ليس دولة واحدة..
نعم.. لا بد أن نعترف أن
الثورة لعبت دورا شيطانيا في تنحية الإسلام وتفتيت دولهم و أمتهم.
ولا بد أن نعترف أن الثورة مارست بجهازها
الإعلامي الجبار نوعا رهيبا مروعا من الكذب ساقت الأمة كلها إليه و أجبرتها على
التعامل معه كحقائق.
كان إعلامنا أشد شرا من الكذب الخالص..
فنصف الصدق أكثر شرا – ومدعاة
للاشمئزاز – من الكذب..
وويل للمصلين – دون إكمال- أكثر خطرا حتى من
الدعوة للكفر........ يا هيكل!!..
لشد ما يؤلمني أن يتزامن هذا الانتقاد لهيكل مع هجوم مطبوعة أخرى عليه لو كان الشيطان نفسه
يرأس تحريرها لما كانت أكثر بذاءة وخسة..
لكن شتان ما بين المنطلقين.
***
لا أكتب تاريخا يا قراء.. ولا
يهمني كثيرا أن أقول أن الحكاية بدأت بالقبض على
العلامة معلم الأجيال – حقا وفعلا – الأستاذ محمد قطب يوم 31 يوليو 1965، ثم
بالقبض على الشهيد العظيم يوم 9 أغسطس..
ليس ذلك مهما جدا بالنسبة لي.. لأن الأهم هو لماذا ألقي القبض عليهم..
ثم ما الذي أسفر عنه القبض
عليهم..
هل كانوا هم عملاء الشيطان و أمريكا
و إسرائيل؟!..
أم كانت الثورة هي عميلة الشيطان و أمريكا و
إسرائيل بينما كان الإخوان هم العقبة الكئود أمام مخططاتهم..
عام 48.. والمعركة محتدمة في فلسطين منع النقراشي سفر
المجاهدين من الإخوان المسلمين إلى فلسطين.. ثم والجبهة تغلي وفي حاجة إلى كل عون إذا به يحل جماعة الإخوان ويأمر الجيش أن يأمر الإخوان بالانسحاب
من المناطق الشاسعة التي كانوا يسيطرون عليها.. انسحب الإخوان في الخامسة عصرا..
وفي الثانية عشرة مساء كان اليهود يحتلون كل
المناطق التي انسحب منها الإخوان.. وفي الصباح
كان الجيش المصري يحاصر معسكر الإخوان ليتم القبض عليهم وترحيلهم إلى معتقل
الطور.. تماما كما يقبض الآن على من يحاول مساعدة المجاهدين في فلسطين ( هل تذكرون
قضية الشيخ نشأت إبراهيم والشيخ فوزي
السعيد .. وقد عذبا في قضية تنظيم الوعد
.. ورغم حكم المحكمة العسكرية ببراءتهما.. ولم يفرج عنهم الطاغوت رغم الحكم
إلا بعد انقضاء أربعين شهرا) .. عام 54 كان لابد من ضرب الإخوان تمهيدا لحرب
56.. وفي 65 كان لابد من محاولة الإجهاز على الإخوان تمهيدا لكارثة 67.. لأن
الإخوان المسلمين لو كانوا في الجبهة في أي من هذه المعارك لما انهزموا أبدا..
سيحاربون الحرب التي تخلع قلب إسرائيل.. حرب الجهاد في
سبيل الله.. وحيث لا هزيمة أبدا.. فإما نصر و إما
شهادة..وعلى القارئ أن يراجع كتابين هامين للأستاذ
كامل الشريف عن جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين وفي جبهة قناة السويس.
فعل الإخوان كل هذا ثم جاء من يشوه الأبطال ويعلى شأن الخونة..
من يدنس الأطهار ويقدس المدنسين..
لقد أقنع إعلام الشيطان الأمة
بأكاذيب ليس لها أول ولا آخر.. وكان الأمر على العكس تماما.. وهذا ما يشهد به الآن كلاب
السلطان آنذاك والآن، لقد كنت أنظر إلى بعض ما يقال قبل ذلك على أنه مبالغات من
الإخوان فإذا بي أكتشف الآن أنه جاء في مذكرات وزراء
أمن الدولة ومثقفي أمن الدولة، كقولهم أن تنظيم 65 كله نكل به
بسبب كتاب معالم في الطريق، و أن الذي اكتشف التنظيم لم تكن أجهزة الأمن ولا
المخابرات و إنما الاتحاد الاشتراكي ويكفينا هنا أن نذكر ما شهد به كاتب سلطة و أمن حتى نخاعه.. كاتب لم يتوقف أبد عن النيل من المسلمين
بالباطل.. لكنه كتب يتحدث في كتابه
"سيد قطب وثورة يوليو" عن حكاية
سيّد قطب، الذي راح ضحية صمت الجميع، من حول عبد الناصر، رهبة أو نفاقاً، على
هُزال المحاكمة، وعلى تلفيق التهمة، وعلى سرعة تنفيذ الحكم بالإعدام (بعد تسعة
أيام من صدوره). بل إن حلمي النمنم، يعترف
صراحة، بأن قرار الإعدام كان مضمراً قبل الاعتقال، وأن سيّد قطب، لم يفعل شيئاً
يستحق حتى السجن، بعد خروجه من الحبس في المرة الأولى، وأن قيادة "الإخوان
المسلمين" في السجون وفي الخارج، كانت ضد أي عمل في ذلك الوقت، بل بلغ بعضها،
حد الشكوك في سيّد قطب، بأن ما تناهى الى أسماعهم عن محاولته إحياء التنظيم،
إنما هو ملعوب أمني، للإجهاز على من تبقى من "الإخوان"!"
سوف نتناول ذلك ومثله في
الفصل القادم إن شاء الله.. لكننا هنا والآن .. نلجأ إلى مبدأ قانوني دولي شهير
نحكمه في أكاذيب الثورة وذيولها الخسيسة المجرمة التي تولت إعلام التضليل والتشويه
والكذب.. هذا المبدأ يفضي إلى إهدار كل الاعترافات التي نشأت عن التعذيب..
وعلى الرغم من هذا نجد صبي هنري كوريل وموظفا سابقا في قسم شرطة السيدة زينب عينتهما
أجهزة الأمن كتابا حكوميين كبارا و أعطتهما هذه الأجهزة محاضر التحقيقات مع
الإخوان فلا يكفان عن اللجوء إليها والاستشهاد بها،
ورغم ما تمتلئ به هذه المحاضر من أكاذيب، ومن الظروف
الشاذة الإجرامية التي جرت هذه التحقيقات تحت وطأتها إلا أنهما لم يكتفيا بهذه
الأكاذيب فوشياها بأكاذيب إضافية يمليها عليهما لا شياطين الجن بل شياطين الموساد
والـCIA.
فيا أكذب من مسيلمة نحن نحتكم إلى قانونكم العلماني فلماذا
تواصلون الكذب.
نعم..
ما أشد احتقاري لكل هؤلاء الكتاب وكل هذه الصحف التي تلجأ إلى
اعترافات أخذت تحت تعذيب سنستعرض بعضه على الفور.. لكنني
قبل ذلك أستعرض أمامكم يا قراء تجربة عايشتها..
بالقرب من مكتبي، يوجد
مكتب صرافة ألجأ للتعامل معه أحيانا عند السفر للحج أو العمرة.. أعرف أصحابه وبعض
موظفيه. وذات يوم دخل أحد اللصوص فسرق الموجود من
الأموال و أطلق الرصاص على الموظف. قبضت الشرطة على محاسب
مصري كان عائدا لتوه في إجازة من عمله في
الكويت – قريب من الدرجة الثانية لأحد أصدقائي- كان هو آخر من بدل
نقودا من الصراف. تم عزل المحاسب تماما عن أهله.. ورغم
اتصالات أسرته بمسئولين كبار إلا أنهم عجزوا عن مجرد معرفة مكان احتجازه.. فيما
بعد.. علمنا أن المحاسب قد أنكر
التهمة.. وكان دليله أنه لو كان هو اللص لما ترك
دليلا على وجوده ولما بدل النقود.. بعد ستة شهور
من التعذيب اعترف الرجل بارتكاب الجريمة. وفي نفس الوقت كان هناك بلاغ يرشد عن
المجرم الحقيقي. كان ضابط شرطة، وقد أبلغت عنه زوجته حين
استغل المال الذي سرقه في الزواج من راقصة سكندرية أشعلت خلاعتها غيرة الزوجة الأولى فأبلغت عن زوجها!!..
و أفرج عن المحاسب..
و ما
أهدف إليه من هذه الحكاية لم أقله بعد.. لأن
هذا المحاسب كان قد اقتنع فعلا مع التعذيب المجرم أنه هو الذي ارتكب الجريمة.. و
قد كان مقتنعا بما اعترف به
في النهاية.. كان مقتنعا فعلا ولم يقدم
على الاعتراف لمجرد التخلص من العذاب.. كانت المعاملة الوحشية قد أثرت على إدراكه..
كانت التفاصيل التي طالما كررها عليه رجال الأمن
وهم يعذبونه قد انطبعت في وجدانه وذكرياته للدرجة التي جعلته أكثر الناس
ذهولا عندما صارحه رجال الأمن بأنه بريء من التهمة.. بل و أخذ يجادلهم في التفاصيل: ألم
أفعل كذا وكذا؟!.. وكانت "كذا وكذا" هي التفاصيل التي أرغموه بالتعذيب على
الاعتراف بالقيام بها.. بل وصل الأمر إلى
أن أسرته لجأت
إلى الأطباء النفسيين بعد ذلك لكي يقتنع الرجل أنه لم يرتكب جريمة.. أهدي هذه الواقعة إلى كتاب مجرمين يواجهوننا
كل آن و آخر باعترافات الإخوان..
أهديها إليهم.. مؤكدا أن ما أصاب المحاسب
المسكين من عذاب لا يمكن أن يقارن بما لحق الإخوان المسلمين.
والآن لنلجأ إلى كيف كان يتم الحصول على بعض هذه الاعترافات..
ولنقرأ - باختصار
وبدون تصرف ولا تعديل - للصحافي الكبير الأستاذ جابر رزق – مذابح
الإخوان في سجون ناصر- دار اللواء- لنستمع منه إلى ملامح مما حدث في قريته كرداسة:
أنا واحد من أبناء قرية كرداسة
.. وما سأرويه عن مأساة قريتي لم أكتبه من وحى الخيال ولا بقصد رسم صورة لحكم
عبد الناصر الأسود، وأنا فقط أريد أن أسجل
مادة خام .. سوف يجد فيها المؤرخون في المستقبل بعض
ملاح حكم الفرد الذي بدأ عام 1952!!..أعرفكم بقريتي .. صاحبة المأساة التي فاقت
مأساة دنشواى .. وكفر عبده
والتي لا تضارعها إلا مذبحة « دير ياسين » التي صنعها اليهود في فلسطين. كرداسة قرية من قرى الجيزة .. بل هي أكبر قرى
محافظة الجيزة .. يزيد عددها عن الخمسين ألفا .. كانت الشرطة العسكرية قد
أطلقت يدها في الشعب المصري وكان شمس بدران ورجاله يجمعون في أيديهم كل السلطات
طبعا في ظل الطاغية جمال عبد الناصر
وبعلمه ورضاه.. وبدأ تنفيذ المؤامرة المبيتة لسحق الإخوان المسلمين.. و للبدء في
المجزرة الهمجية البربرية التي أقيمت .. كان السيد نزيلي أحد أبناء قريتي وذهب
رجال الشرطة العسكرية للقبض عليه .. وعندما وصلوا إلى
منزل السيد نزيلي للقبض عليه فلم يجدوه .. ووجدوا
أخاه عبد الحميد نزيلي وأتركه يروى ما حدث .. يقول عبد الحميد :
- كان ذلك عند غروب الشمس يوم
21 أغسطس سنة 1965 وكنت واقفا أمام منزلنا .. وإذا بثمانية رجال مفتولي العضلات مفتوحي الصدور يلبسون قمصانا على اللحم.. وبنطلونات
ضيقة دخلوا حارتنا ووقفوا أمامي وسألوني عن أخي السيد نزيلي
الأخصائي الاجتماعي .. قلت هم :
_ تفضلوا .. أنا أخوه.
فتحت لهم الباب وأجلستهم في حجرة الضيوف
وعملت لهم شايا ثم قلت لهم :
_
.. إن أخي في القاهرة .. ولكنه لن يتأخر كثيرا وسوف يحضر بعد قليل .
فجأة..
وجدت اثنين منهم وقفا على باب البيت واثنين آخرين اقتحما المنزل وصعدا إلى
الدور الثالث حيث زوجة أخي " العروس" التي لم يمض على زفافها إلا تسعة
أيام ..(..) ..فجأة وجدت نفس ملقى على الأرض ..
وقفت بسرعة وجريت إلي صالة البيت .. فلحق بي اثنان منهم
شلا حركتي وجراني إلي الخارج فأخذت أصيح : أنتم لصوص .. ماذا
تريدون منى ؟! زاد صراخي .. فخرج الناس من البيوت يستطلعون الخبر .. ازدحم الناس
من حولي يسالون في دهشة ولا جواب إلا صراخي : حرامية
.. حرامية ! وبدأوا يسيرون في شارع وسط البلد وتقدم بعض
شباب القرية ليخلصوني من أيديهم فأخرج واحد من الرجال الثمانية مسدسه وأطلق الرصاص
في الهواء للإرهاب .. على بعد أمتار من ورائي
كانت زوجة أخي " العروس" يجرونها هي أيضا وصرخات
استغاثتها تتوالى .. لقد ظننت في أول الأمر أنهم جاءوا لخطف زوجة أخي .. وحتى هذه
اللحظة لا أعرف أنهم من رجال الشرطة العسكرية لأنهم كانوا يرتدون الملابس المدنية ولم يأت معهم خفير ولا عسكري
بوليس..
لقد ذهب رجال الشرطة العسكرية ليقبضوا على إخوان قرية
كرداسة وكان السيد نزيلي من بينهم فبدأوا بالقبض عليه .. فلما ذهبوا ولم يجدوه
بالمنزل أخذوا أخاه وزوجته رهائن .. وكانت تلك بداية المأساة !! ويكمل عبد
الحميد نزيلي قصة المأساة فيقول :
-
أيقن أهل القرية أننا مخطوفون أنا وعروسة أخي القاهرية ..
فتقدم بعض شباب القرية ليخلصونا من أيديهم .. فحدث اشتباك مع الرجال الخاطفين ..
فتكاثر الأهالي على الرجال الثمانية .. واشتركت النساء والأطفال بضربهم بالطوب
والحجارة .. فهرب سبعة من الرجال الخاطفين وأصيب الثامن وأغمى عليه
وتجمع الناس من حوله ..
تركت زوجة أخي تعود إلى المنزل . وذهبت إلى نقطة شرطة القرية
وعملت محضرا(...) انحنى الشاويش
على الرجل المصاب وفتش جيوبه فأخرج من أحدها بطاقته الشخصية فقرأها وقال لأهالي
القرية :
_ خربت يا كرداسة
.. مصيبة وحلت عليكم يا أهل كرداسة
إن هؤلاء الرجال ليسوا لصوصا
إنهم من رجال الشرطة العسكرية !!
...
...
حوصرت القرية من جميع الجهات وانتشرت المصفحات والدبابات
والسيارات في شوارع القرية ودروبها وبدأت الأوامر تذاع من خلال مكبرات الصوت بفرض
حظر التجول ..
وبدأت عمليات القبض على عمدة القرية ومشايخ القرية والخفراء وشيخ الخفراء
وجميع عائلة العمدة وهى من أكبر عائلات القرية.. ربطوهم جميعا بالحبال وساقوهم
كالبهائم.. النساء في قمصان النوم نصف عرايا يولولن والأطفال
يصرخون والرجال في ذهول يجللهم الذل والعار.. اتجهوا بالجميع إلى نقطة القرية
وانهال الزبانية عليهم " بالكرابيج " والعصي بلا
رحمة وبلا اعتبار لأي قيمة إنسانية.. مزقوا ثياب الرجال وتركوهم عرايا كما ولدتهم
أمهاتهم أمام الزوجات والأطفال!!
...
يواصل الأستاذ جابر رزق:
وروى لي جزءا من المأساة يوسف أيوب المكاوي ابن
عمدة القرية السابق العمدة الحالي.. قال:
قبضوا على أخي العمدة على أيوب وابن عمى شيخ البلد العجوز
السيد حمزة رحمة الله عليه.. وأخي محمود فهمي عضو مجلس
النواب السابق وجميع رجال العائلة ونسائها وجميع الأطفال فوق سن 12 سنة.. ساقونا
جميعا إلى المدرسة الإعدادية التي اتخذتها الشرطة العسكرية مقر قيادتها لأنها تقع
في وسط القرية وحولوها إلى ساحة تعذيب رهيبة.. ربطونا جميعا من أيدينا.. مزقوا
ثيابنا ووقفنا عرايا.. بكيت حزنا عندما رأيت أخي العمدة وأخي محمود عرايا كما
ولدتهم أمي.. تمزقت عندما رأيت ابن عمى الشيخ سيد حمزة نائب
العمدة والبالغ من العمر أكثر من ستين عاما ليس عليه سروال ومنهكا من
التعذيب .. لقد جردوني من ملابسي.. وطرحوني على الأرض ومزقوا جسدي بالسياط .. سلخوني سلخا.. وبعد
هذه الطريحة أوقفونا بعضنا أمام بعض وأمرونا أن يضرب أحدنا الآخر والذي لا يضرب
بقوة يمزق بالسياط.. ثم أمرونا أن يبصق كل
منا على وجه الآخر... كان
بعضنا يضرب البعض الآخر وكنا نبكى لأن ذلك كان أقسى على النفس من ضربات السياط.. وبعد
ذلك أخذونا طابورا كطابور أسرى الحرب وأركبونا عربات مكشوفة وطافوا بنا شوارع
القرية الرئيسية وكانوا يضربون النساء والأطفال بالسياط حتى يعلو صراخهم فيكون ذلك
أمعن في الإرهاب لأهالي القرية.. وبعد هذا الاستعراض الرهيب خرجنا في عربات مصفحة
من قرية كرداسة واتجهت بنا المصفحات
إلى السجن الحربي باستيل عبد الناصر.. النساء
يولولن والأطفال يصرخون في رعب والرجال في
ذهول.. وصلنا إلى السجن الحربي حيث أقيمت أفظع مذبحة بشرية لخير شباب مصر ورجالها
.. إنني
لا أستطيع مهما أسعفتني الذاكرة أن أصف تلك اللحظات الرهيبة المرعبة التي استقبلنا
فيها في ساحة السجن الحربي.. لقد كان في استقبالنا حمزة البسيوني
جلاد مصر.. والعميد سعد زغلول عبد الكريم قائد الشرطة العسكرية
ومجموعة من زبانية السجن الحربي .
...
(جملة اعتراضية: في كمشيش
عومل آل الفقي
نفس المعاملة بكل التفاصيل.. وكنت قريبا من الأحداث فسمعت ممن رأى مباشرة. لم تكن هذه المعاملة استثناء ولا مجرد إجرام أفراد..
كانت هي المنهج.. منهج ثورة 23 يوليو التي ما تزال تحكمنا دون أمل قريب في الإفلات من براثنها)
...
كانت " المحاضرات
تلقى إلى هؤلاء الزبانية في أسلوب التعامل مع الإخوان وأنهم لا قيمة لهم.. ولا دية
لأحد منهم.. بل أكثر من ذلك كانت تصرف شهريا مكافأة
تعذيب لهؤلاء الزبانية ".
...
(جملة اعتراضية أخرى: بدأ الأمر بالإخوان، والآن ليس لأي واحد
في الشعب دية.. وتأملوا ما حدث في الإسكندرية عندما قتل المخبر شابا في ريعان عمره
لأنه تجرأ ورد عليه.. وجاء البيه الضابط
ليطمئن المخبر قائلا: ولا يهمك.. كلب ومات)..
...
(جملة اعتراضية ثالثة: شطرة
من بيت شعر لمحمد عفيفي مطر: ضريت كلاب الصيد فانتظروا الحصاد)..
...
نعود إلى كرداسة:
لقد ساقونا كالبهائم والسياط تنهال على الجميع لا فرق بين طفل صغير أو امرأة حامل أو شيخ
ضعيف حتى وصلنا إلى ساحة واسعة فتقدم من كل منا جندي من الزبانية وجرده مما بقى
عليه من الثياب.. وأوقفونا على شكل دائرة وأمرونا أن نسجد على
الأرض وانهال كل جندي على ضحيته والنساء يشاهدن هذا المنظر المفجع ويبكين بكاء أخرس!!. وبعد
أن أغرقونا في دمائنا.. وصبغت أجسادنا بالسواد من
الضرب أخرجونا لعمل استعراض للأسرى والسبايا أمام الفريق أول محمد فوزي.. وأمامه
أمرونا بالركوع فركعنا.. ثم أمروا النساء أن
تركب كل واحدة على ظهر رجل.. ولم يستثنوا من ذلك حتى المرأة الحامل التي يعوقها
حملها عن تنفيذ هذا الأمر .. ثم
أمروا كل رجل منا أن يختار لنفسه اسم امرأة ينادونه به..
ثم
أحضروا مجموعة من الزبانية انهالوا عليه بالضرب وعددا من الكلاب تنهش فيه وتزداد
نهشها كلما ازداد الضرب.
في النهاية ألقوا بنا في زنزانات حشرونا فها حشرا وأغلقوا
علينا الأبواب .. في الصباح أخرجونا من الزنزانات..
وحلقوا لكل رجل منا ناحية من شنبه
وحاجبا من حاجبيه ثم أعادونا إلى الزنازنين وأدخلوا معنا الكلاب لمدة نصف ساعة
تنهش فينا.. ثم أخرجوا الكلاب وأخرجونا للتحقيق وعلقونا في الفلكة .. واستمر حالنا
على تلك الصورة تسعة وعشرين يوما داخل السجن الحربي .. ولما لم يجدوا علينا أية مسئولية أخرجونا من
السجن الحربي وحملتنا العربات عرايا كما
ولدتنا أمهاتنا حتى باب القرية !.
...
ثم نجرؤ على التنديد بأبي غريب..
...
يواصل الأستاذ جابر رزق:
وروى لي عبد الرحمن القبلاوى
إمام وخطيب مسجد وهو من أبناء القرية.. قال:
استبيحت القرية ثلاثة أيام من صبيحة الحادث يوم الأحد حتى ثالث
يوم فتشت جميع منازل القرية وخربت ومزقوا
الفرش وحطموا كل شيء يمكن تحطيمه.. ونهبوا كل ما وصلت إليه
أيديهم أفسدوا كل شيء داخل البيوت خلطوا الدقيق بالجبن بالحبوب بروث البهائم.. قبضوا
على الآلاف من الرجال والنساء والأطفال فرضوا حراسة على كل شارع وكل حارة وكل
درب.. انتشر الجنود في كل مكان.. فرض حظر التجول طول الثلاثة أيام
حتى نفذ الماء والطعام.. وجاعت البهائم وعطشت وجف
لبن الأمهات ومات الأطفال الرضع ونهبت المحال التجارية ومزقت حلى النساء وأهدرت
رجولة الرجال وأقاموا ثلاث ساحات للتعذيب داخل القرية.. في المدرسة الإعدادية..
وفى الوحدة المجمعة.. وفى نقطة البوليس!!.
...
ثم نجرؤ على استنكار جوانتانامو
...
يقول مدرس إعدادي بالقرية طلب ألا يذكر اسمه:
لقد هاجموا الحقول ودمروا وخربوا ما فيها
من زرع وقبضوا على من فيها.. أخذوني أنا وأهلي واستولوا على كل ما نملك
وقادونا إلى الوحدة المجمعة.. كانت قطعة
من جهنم رأيت رجالا مضروبين حتى اختلطت ملامحهم وآخرين مصلوبين علي جذوع النخل
بعضهم مغمى عليه من التعذيب والبعض الآخر يجأر ألما وفزعا، وكانت النتيجة الحتمية
لصنوف التعذيب الوحشي الذي وقع على أهالي قريتي هو: الموت.. والجنون..
والصرع!!.
مات صلاح رزق عبيد في السجن الحربي ومات أبو سريع جحا ومات
محمد أبو السعود في القرية وجن أبو عميرة
الصابر وأصيب الكثيرون بالصرع. لقد بقيت جثث الموتى في البيوت لا تجد من يحملها إلى
المقابر وعندما سمحوا بدفن محمد عبد العزيز حيدر لم يسمحوا إلا بأربعة يحملون
النعش وقد ترك بعض المشيعين النعش وهربوا
خوفا من التعذيب من رجال الشرطة العسكرية.
...
ثم نجرؤ على إدانة إسرائيل..
...
بواصل آخر:
" لقد عاشت القرية ما يقرب
من ثلاثة أشهر يسيطر عليها الإرهاب وأغلقت المساجد ومنع الأذان وعطت الصلاة داخل
المساجد.. ".
***
يختتم الأستاذ جابر رزق أحداث مأساة كرداسة بقوله:
وكلمة أخيرة أختم بها تلك الصفحات عن مأساة كرداسة
..إن مأساة كرداسة إذا قيست بمأساة
الإخوان المسلمين لا تعتبر إلا صورة مخففة.. وإنما الصورة
المكثفة والمجسمة لتجبر عبد الناصر وطغيانه تتمثل في مأساة الإخوان المسلمين..
يشهد بذلك حبل المقطم الذي تضم تلاله خيرة شباب الإسلام المجاهدين الصادقين الدين
استشهدوا تحت سياط التعذيب ووسائله الجهنمية ..
***
لشد ما أود أن يروي لنا الكاتب الموسوعي محمد حسنين هيكل
بأسلوبه الفريد حكاية كرداسة.. أن يشرح لنا : ليس "كيف".. لأننا نعرف الآن كيف
تمت الأمور.. و إنما نريد أن نعرف لماذا..لماذا.. لماذا..
ثمة إدراك واسع الآن أن الحكم بالإعدام على شهيدنا الغالي سيد قطب لم يصدر من قضاة النار ولا من كلاب
السلطة بل صدر من الكتاب الشيوعيين والعلمانيين.. وهيكل أحدهم .. بل على رأسهم..
لكننا تكريما لهيكل.. واعترافا بجوانبه الإيجابية سوف نعفيه من الاتهام الإيجابي..
فقط نقول ونحن مقتنعون بما نقوله.. أن تنفيذ حكم اإعدام في سيد قطب لم يكن ليتم لو أن
هيكل عارضه كما كان يجب أن يعارضه..
لكن..
دعونا من ذلك الآن
دعونا منه .. ودعونا نتوسل إلى هيكل لكي يروي لنا
حكاية كرداسة
التي يقبع قصره الآن على تخومها..
وقبل أن يرويها لنا فإنني أقول له أنه عندنا
في الإسلام فإن حرمة دم المسلم أشد من حرمة الكعبة..
أسأله.. هل يبرر السد العالي أو
مديرية التحرير سحق روح أمة والتنكيل بفكر و اغتيال ألوف..
أسأله فاسألوه معي:
هل السد العالي أكثر حرمة من الكعبة؟!
***
***
كلا...
ولكن..
لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ ..
ما زلوا يكذبون..
مَلْعُونونَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا
وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً..
لم ينتهوا عن الكذب.. كلما اكتشف الناس حيلة من حيلهم
لجئوا إلى عشر..
وكلما اكتشف الناس عشرا أخرجوا من جراب الشيطان مائة حيلة..
لم يكفوا عن
الكذب أبدا حتى جال بخاطري ذات يوم أنه يمكننا دون إيغال في الخطأ أن نطلق على
التاريخ تعريفا جديدا يقول أن التاريخ ليس إلا سلسلة من الأكاذيب تقطعها جزر صغيرة
من الصدق.
أكاذيب تطلقها فرق
صناعة الأكاذيب للتغطية على خطة تفكيك العالم الإسلامي.
بالأمس الأول في فلسطين وكشمير والشيشان و أمس في بغداد
واليوم في سوريا ولبنان وغدا في القاهرة والرياض والرباط وطهران ليحدث ما حدث في
البوسنة والهرسك وكوسوفا، حيث تركنا أهلنا فريسة للتبشير والتنصير واقتلاع الإسلام
من جذوره، قيل أنهم كانوا يلقحون أرحام المسلمات بنطف الكلاب.. وفي العلم التطبيقي
لا يؤدي هذا إلى نتيجة بيولوجية، وفيما عدا الرمز والإهانة
والإذلال فلا شيئا محددا يمكن أن يحدث.. لكن.. على المستوى الآخر.. المستوى غير
البيولوجي.. كانت هناك كلاب بشرية تلقح رحم التاريخ بنطف الكذب.. وتناسلت تلك النطف وتكاثرت حتى غلبت ما سواها و أصبح الكذب هو السمة الرئيسية في
التاريخ.. وليس ذلك لغواية الكذب وقدرته على الانتشار فقط.. ولكن لأن منابع الصدق سكّرت أو سممت أو
منعت، فانطلق الكذب مطلق السراح مدعما بالحكام والنخبة وقبع الصدق معذبا مقيدا في
ظلام الزنازين أو دفن حيا في القبور..
والناس.. الذين
أفرغوا بوسائل التجهيل من القدرة على التمييز يصدقون أن هذا يختلف عن ذاك..
فقدوا القدرة على
التمييز بعد أن تم تجفيف ينابيع دينهم فأخذوا ينخدعون بهذا ويضعون أملهم في ذاك.. غير مدركين أنهم لا يختارون بين حزب الله
وحزب الشيطان بل يختارون بين حزبين كليهما للشيطان.
إنهم جميعا سواء
ذرية بعضها من بعض..
كلهم من لم يحكم بما أنزل الله..
كلهم سواء..
كلهم جذورهم ذات الجذور وثمرهم نفس الثمر.. الشيشكلي والحناوي ونور السعيد وقاسم وعسكر الجزائر وعبد الله وكل حكامنا بل استثناء.. كلهم سواء وكلهم استنبتوا في مزارع لا
تعرف معني لا إله إلا الله.. لذلك لا يعرفون أبدا كيف يجاهدون في سبيلها..
علينا أن ندرك أن ما
حدث منذ خمسين عاما فقد كان تمهيدا لما يحدث اليوم أما ما يحدث اليوم فهو التخطيط
لما سيجري بعد خمسين عاما..
نعم ..إن علاقة الأمة بعهودها الثلاثة الأخيرة إنما هي كعلاقة ذلك الرجل
المسكين الذي عاد من الخليج ليجد زوجته – في الإسكندرية- قد ولدت لتوها طفلة.. رغم أنه لم ير تلك الزوجة منذ أعوام ثلاثة، رفع
الرجل إلى القضاء أمره، و أحاله القضاء إلى الطب الشرعي، ليكشف الطب الشرعي عن
كارثة مزلزلة، فالأمر لم يقتصر على أن الطفلة المولودة حديثا ليست من صلب الرجل،
بل تعداه إلى أن الرجل نفسه عقيم عقما كليا مما يجعل قدرته على الإنجاب مستحيلة،
وبما يعني في نفس الوقت، أن الولدين، اللذين رعاهما بدماء قلبه ليسا ابنيه. و هو
الأمر الذي أثبته فحص الجينات الوراثية بالفعل..
فهل تدركون عمق الكارثة يا قراء عقيمين في
أمة عقمت فعجزت عن أن تنجب حكاما من الغير جاءوا.. ولأجله يحكمون..
الجريمة كاملة.. والتفاصيل معروفة .. وجسم الجريمة موجود.. لأن
جسم الجريمة يا قراء هو أنتم وهي أوطانكم..
نعم ..
أنتم و أوطانكم..
إياكم والظن أنني أقيم حفل تأبين لشهدائنا في
1965 و 1967.. أو أنني أشعل النار في قلوبكم في مناحة نلطم فيها الخدود ونشق الجيوب
لأننا فعلنا بسيد.. بسيد قطب.. ما فعله أهل الكوفة بالإمام الشهيد..
لا أفعل ذلك لسبب جوهري.. وهو
أن سيد ورفاقه ليسوا موتى.. بل – أحسبهم أحياء عند ربهم يرزقون..
أما الموتى فهم أنتم يا قراء..
أنتم الذين قُتلتم.. وفيكم أعزيكم..
سيد ورفاقه أحياء و نحن الموتى..
و إلا: هل تجدون تفسيرا
لعجزنا عن تغيير أنفسنا أو تغيير ما يحدث لنا وما يُفعل بنا إلا أننا بالفعل موتى
يحسبون أنهم أحياء.
نعم .. الجريمة كاملة..
في قضية أبناء السفاح
تم إلقاء القبض على الزوجة الخائنة كي تلقى مصيرها وتعاقب على
جريمتها..
أما في قضية نخبة السفاح
فلم يُحاكم أحد .. لأنها ما تزال تتولي الحكم وتمارس ذات الجرائم..
ولم
تكن هناك شرطة لتقبض على الخائن ولا طبيب شرعي يكشف الجريمة ولا قضاء يحاسب عليها..
لم يكن هناك أي شيء أي شيء أي شيء.. سوى الخيانة والقهر والعجز
والعقم.
أو أن كل أولئك كانوا موجودين ولكنهم
كانوا خدما وعملاء وحاشية للزوجة الزانية..
أريد أن أقول.. أن
ما يتكشف الآن أمامنا كل يوم.. من افتقاد للحق والصدق
والشرعية لا ينسحب على هذا العهد وحده و إنما يغطي العهود جميعا.. وأن
الضغط على حماس الآن ليس سوى حمل سفاح زرعت نطفته النجسة بحل جماعة الإخوان عام
1948 وفي بداية ومنتصف عام 1954.. وفي المرات الثلاث كانت إسرائيل أقرب إلى
الحكام لا من الإخوان
المسلمين بل من الإسلام نفسه.. ذلك أن إسرائيل تبقيهم
على مقاعد الحكم أما الإسلام فينزعها منهم ويقيم عليهم الحدود.. أريد أن أقول..
أن ما كان خفيا مكنونا في العهود السابقة
قد أسفر الآن عن الحقائق البشعة التي نراها.. تماما كانتفاخ بطن امرأة بحمل سفاح..
فإن لحظة الانتفاخ ليست هي لحظة الخطيئة.. ثمرة الخطيئة قديمة.. و إعادة استنساخ
الخطيئة سوف يسفر عن نفس الجريمة..
نعود إلى مثل الأب الذي اكتشف أنه لم يكن
أبدا أبا..
هل تدركون عمق الكارثة يا
قراء..
إن المشكلة لا تنحصر في الطفلة
الأخيرة.. ابنة السفاح.. بل في الأبناء جميعا..
إن الطبيب الشرعي لم ينشئ عقم الرجل ولم يتسبب فيه.. لقد
اكتشفه فقط.. كما أن هذا الداء لم يبدأ في إنتاج آثاره
بعد اكتشافه.. بل بدأت منذ البداية.. منذ الطفل الأول.. منذ
العهد الأول.. منذ جمال عبد الناصر.. والعلاقة
بين ما يحدث الآن وما حدث منذ خمسين عاما هي ذات العلاقة بين الطفلة الأخيرة
والطفل الأول. والفرق الوحيد أن الفضيحة التي كانت خافية قد أُعلنت، كانت العورات
مستورة ثم سقطت عنها أستارها، كانت الجريمة هي ذات الجريمة لكنها كانت منذ خمسين
عاما تتستر بالظلام وبالقهر لأما الآن فبرغم استمرار الظلم والقهر إلا أن الأمور
مفضوحة بالفضائيات والشبكة العنكبوتية
.. نفس الجرائم.. لا يوجد عهد طاهر وعهد نجس ..
فكل فضيحة وكارثة ومصيبة نراها الآن سوف
نجد جذورها المباشرة في الماضي فلا تقل العلاقة بين الحدث الحاضر والحدث الماضي عن
العلاقة بين الطفل الأول والطفلة الأخيرة، من نفس الأم الضائعة المضيعة المفرطة،
وكلهم ليسوا من الأب العقيم.
أنا لا أحدثكم عن قتل الشهيد ولا عن قتل
وتعذيب رفاقه فأنا أحسبهم لم يموتوا بل أحياء عند ربهم يرزقون. أنا أحدثكم عن
قتلكم أنتم يا قراء. نعم أنتم المقتولون و أنا
منكم، الناس صنفان: موتى في حياتهمو
( مثلنا)... و آخرون ببطن الأرض أحياء
***
في كتابه الهام الإخوان وعبد الناصر- القصة الكاملة
لتنظيم 65 - الزهراء للإعلام العربي- يؤكد ذلك كله الأستاذ أحمد عبد المجيد، وهو أحد تلاميذ سيد قطب والمقربين له حيث تم القبض
عليه عام 1965م، وحكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم ليظل في محبسه من سنة 1965 حتى
أفرج عنه عام 1975، وكان معه في المعتقل العديد من الشخصيات ذات الثقل الإسلامي
والسياسي، منهم: سيد قطب، محمد يوسف هواش، عبد الفتاح إسماعيل، رضي الله عنهم جميعا ، و على
عشماوي عليه من الله ما يستحق، يصف الكاتب ما تعرض له الإخوان المسلمون من كذب
وتشهير فيقول:
" لم يتعرض تشكيل أو تنظيم لمثل ما تعرض له تنظيم
الأخوان المسلمين عام 1965 من الضجة الإعلامية التي نسجت حوله بواسطة أجهزة
الإعلام المصرية المختلف سواء الإذاعات المسموعة أو المرئية أو الكتب والنشرات
الموجهة أو الخطب الكلامية على مختلف منابر الخطابة ، ولم يستثن من ذلك أحد إلا
نادرا ، وحتى بعض المشايخ وعلى رأسهم شيخ الأزهر وقتها
. ولقد استثيرت
الجماهير بشتى أنواع الاستثارة (...) مع تشويه صورة أعضاء التنظيم وأهدافهم
ومقاصدهم بأنهم كانوا سينسفون ويقتلون ويدمرون ، ويعيثون في الأرض فسادا(...)
والذي زاد من تأثير هذه الضجة ، أن المتهم لم تتح له فرصة ولو يسيرة لتوضيح
الأمر وإجلاء الحقيقة، كما فعل فرعون مصر الذي يضرب به
المثل في الجبروت والطغيان، إذ أتاح الفرصة لسيدنا موسى - عليه السلام - لتقديم
بينته يوم الزينة في جمع من الناس .
ويستطرد المجاهد الجليل في مرارة حارقة:
بل إنك لا تجد ولو واحدا من ذوى العقول الراجحة أو من
أصحاب العزيمة والشجاعة ليقول قولة حق في هؤلاء الناس ، الذين تتكلم ضدهم كل الأجهزة
. ولم نسمع صوتا
واحدا من الكتاب والأدباء والصحفيين ولا شيخ الأزهر نفسه - حسن مأمون- (...)
لم يستطع هؤلاء جميعا أن يقولوا ولو كلمة واحدة لوجه الله تعالى، فالكل مرتعد، مرتجف من أن تصيبه هذه
العاصفة التي لا تبقي ولا تذر في عهد عبد الناصر، ذلك الطاغية الجبار المتكبر، بل
حتى أقربا ء المعتقلين لم يستطيعوا الكلام أو اللجوء لأي جهة ، فالكل مغمض العينين
أصم الأذنين، مكبل اليدين ، مطبق الفم ، ومقيد اللسان ، لا تجد واحدا يقول قولة
الحق أو الدفاع عن هؤلاء، فالكل يخشى المصير المظلم المجهول
. إنه العذاب
الرهيب الذي قد يصل بصعابه إلى الموت" ..
نعم.. ولم يكن هذا العذاب كله من أجل فعل.. حتى حلمي النمنم قد أقر بذلك.. ولكنه كان من أجل
فكرة.. وعقيدة
***
أصرخ فيكم يا قراء
أنني لا أسرد التاريخ ولا أنبش الماضي ولكنني كالطبيب الشرعي الذي يبحث في الأدلة
الحاضرة عن أدلة الجريمة وتصور كيفية وقوعها.. أنا كالطبيب الذي يرى الوليد مسخا مشوها فيحاول أن يتقصى الأسباب.. ما الذي
أدى به أن يولد مشوها إلى هذا الحد.. وهل كان أصله نطفة
بشر أم كلب أم شيطان.. يحاول الطبيب أن يكون موضوعيا في بحثه.. ولو ضد قلبه ومبادئه.. ويحاول الانتصار للموضوعية بعزل الأحداث عن بداياتها
ونهاياتها و عن أسبابها وغاياتها.. ثم إعادة تقييمها من جديد لأن البدايات والنهايات والأسباب والغايات قد تكون
مزورة مصطنعة..لا ينتصر الطبيب لتفسير ضد الآخر.. وإنما يشقى ويكاد يهلكه الضنى للوصول إلى الحقيقة.. و لكي تدركوا مدي رعبي.. فإن هذا الطبيب
يدرك أنه سيُحكم له أو عليه بعد صدور تقريره إما بالبراءة والسعادة و إما أن يخلد في العذاب المهين أبد الآبدين..
يحذركم هذا الطبيب من أن ما يقال لنا كذب كلي شامل لا يكاد ينجو منه إلا من رحم ربي..
إنهم الآن يحددون المطلوب ثم يحددون السيناريو الذي يؤدي
إليه ..
انظر مثلا ذلك الكتاب الألماني بعنوان "ملف مقتل الحريري
ـ إخفاء الأدلة في لبنان" لمؤلفه يورجن
كاين كولبه
الخبير في علوم الجرائم السياسية الذي يؤكد تورط جهاز الاستخبارات الإسرائيلية
(الموساد)في اغتيال الحريري واتهم أمريكا ومليس
بتضليل التحقيق، ويقول الكتاب إن أجهزة التشويش التي استخدمها موكب الحريري تعطلت
قبل ساعة واحدة من حدوث عملية الاغتيال حيث توقف عمل الجهاز الإلكتروني لموكب
الحريري والخاص بتعطيل استقبال وإرسال أية ذبذبات ليس فقط لأجهزة الجوال، بل وأية
أجهزة تحكم عن بعد. ويضيف الكتاب أن تلك الخاصية، حسبما بينت الاختبارات التقنية
بعد ذلك، لا يمكن تعطيلها إلا من الشبكة المركزية للتحكم في النظام الإلكتروني
لتلك الأجهزة والتي لا تملكها إلا الشركة الموردة لها والتي يؤكد الكتاب أنها شركة
إسرائيلية أغفل ميليس ذكرها نهائياً.
لست هنا بصدد الحديث قتل الحريري ولكنني أقدم به نموذجا فادحا فاضحا على تزوير التاريخ وسوقه سوقا كي يكون
مبررا للطاغوت كي يفعل ما يشاء.. نعم أقدم هذه الواقعة
كنطفة كلب أمريكي لقحوا بها التاريخ كي ينجب لنا الأزمة
الراهنة في سوريا ولبنان. كما ألفت نظر القارئ إلى بحث ممتاز نشرته " المختار
الإسلامي" في عدديها الماضيين بعنوان: "بيرل
هاربر الجديدة" للأستاذ محمد يوسف عدس
يتناول فيه كيف تصوغ الأكاذيب التاريخ توسلا إلى صياغة مبررات لما يخططون له من
إجرام وظلم.
لا يختلف الأمر في أكبر الأكاذيب عنه في
أصغرها.. فنفس المنهج الذي لفق التاريخ هنا وهناك هو ذات المنطق الذي لفق حادث المنشية
عام 1954 وأحداث تنظيم 1965 .. كما أن نفس الخسة هي التي تقبع خلف أكاذيب خسيسة
وحقيرة كتلك المتعلقة بتحريض جندي على تقديم بلاغ ضد المستشار زكريا عبد العزيز
رئيس نادي القضاة يتهمه بالاعتداء عليه، وليتم بعد ذلك اكتشاف أن الجندي – من واقع
دفتر الخدمة الرسمي- كان يخدم في منطقة أخرى تتبع قسم شرطة آخر.. نفس المنهج أسفر
عن تزوير التقرير الطبي للمستشار محمود عبد اللطيف، وهو تزوير أمر به كلب من كلاب النار
يضاهي تزويرا آخر قام به كلب آخر كان قد عذب شيوخ المساجد في سيناء فلما افتضح الأمر اتهمهم مسئول كبير حقير بنشر
الإرهاب ليغطي على جرائم رجاله.
نعم أمثال هذا وذاك وتيك
وآلهتهم هم الذين يصنعون التاريخ!!.. يصنعونه
على يد من سماهم مصطفى أمين: فرق شهود الزور، لكن مصطفى أمين كان يقصد مجتمعا
محدودا من الجنود والضباط والموظفين الرسميين. الآن انضمت
جل النخبة إلى هذه الفرق. فرق شهود الزور.
وبهذه الفرق يعيدون صياغة التاريخ على هواهم. بيد أن آلية هذا
الكذب تخضع لعملية بالغة التعقيد، ذلك أنه ليس نوعا من قصر النظر ولا مجرد خداع
الأمة لمصلحة استمرار الحكام، كما أنه ليس مجرد خداع للحكام ليقدموا لأعداء الأمة
ما لا يجب أن يقدموه ثم يلقى بهم في مزابل التاريخ .. العملية معقدة جدا.. يرى
الدكتور سيار الجميل أن هذا
التضليل متعمد و أنه عملية مخادعة إعلامية
لتشويه الحقائق وإبرازها بغير الصورة التي عليها، فهي سياسة إعلامية مخطط لها
ويراد لها أن تخدع الجماهير بتشويه الحقائق وإضفاء صفة العظمة واستعارة مفاهيم ومصطلحات
قد لا تكون أساسية أو حقيقية وإشغال الجماهير بها، وليس
فقط خداع الجماهير وإنما خداع القيادات السياسية وصنّاع القرار، ويستطرد الباحث
العراقي سيار الجميل: "وهذا
ما جرى في الخمسين السنة الأخيرة"..
لا فكر ولا أمانة
ولا صدق ولا شرف.. كل الأكاذيب ممكنة.. والأمر يعتمد على قدرتك على التضليل
والخداع والإغراء ودفع الثمن..
على أن أكثر ما
يصيبني بالدهشة كذب من لا يحتاجون إلى الكذب..
كيف يكذب مسئول مجرم على سبيل المثال ليؤكد أن مصر ليس
فيها معتقل واحد وهو يعلم أنه كذاب.. وكيف يكذب مسئول لا يقل عنه إجراما ينفي مطلقا حدوث التعذيب رغم أن التعذيب
الحيواني الهمجي المجرم يتم تحت بصره وسمعه..
هل رأيتم نطفة
كذب يقذفها كلب في رحم التاريخ أنجس من تلك نطفة؟
لكنني أترك هذا
السؤال على الفور لكي أصل إلى بعض ما أريد.. فإذا كان هذا الجلاد المجرم ينكر ما
يراه العالم كله الآن.. فكيف كان يفعل منذ خمسين عاما عندما كان يفعل ما يشاء لا
يراه أحد.
لماذا كان عليهم أن يشوهوا التاريخ ويملئوه بالأكاذيب
وينجسوه؟!
لماذا يكذب صحافي لا يحتاج إلى الكذب..
أو مسئولون كبار لم يعد في أعمارهم متسع لجني ثمار الكذب..
أن يكذب جلادون كشمس بدران و فؤاد علام فهذا طبيعي..
لكن لماذا يكذب أناس كأسامة الباز ومصطفي الفقي..
لماذا يكذب القليلون جدا من القضاة وهم يتهمون الأغلبية
الساحقة من القضاة زورا وكذبا.. لماذا يكذبون على نادي القضاة وهو الساعي إلى
حريتهم ورفاهيتهم .. لماذا يكذبون.. أمن أجل منصب يتسنمونه عاما أو بعض
عام؟ أم من أجل مكافأة قد ينفقون أضعافها في مرض يبتليهم الله به،
كيف طاوع ذلك المسئول ضميره وهو يتصرف كالديوث فينكر واقعة
اغتصاب الصحافيات وهتك أعراضهن؟!..
لماذا كذبوا..
أم
أن التفسير المنطقي لكذبهم هو أنهم نتاج نطفة كذب لُقح بها
التاريخ فكانوا هم نتاجه..
نطفة كذب رصدتها زينب الغزالي عام 1965:
" لقد مررت بكل درجات التعذيب درجة درجة، من الجلد
بالسياط المجنونة كألسنة اللهب إلى نهش الكلاب المدربة ، إلى زنزانة الماء ، إلى زنزانة النار، ثم تكررت عملية
الجلد والصلب والتعليق على الأعواد كالذبائح ، إلى عذاب يحطم الأعصاب والأرواح .
وجاءت النيابة، لتستكمل المهزلة فصولها، ويعاقب
المظلومون في ظل العدل وسيادة القانون . دخلت خيام المحققين حيث رجال النيابة! (...)
في خيام التحقيق كان التهديد مستمرا من المحقق الذي يطلب من المتهم أن يوقع
على ما يسجل من زور وبهتان في أوراق التحقيق تحت نظر وسمع كبار القضاة والمستشارين
المنتدبين للإشراف على التحقيقات ."
تصرخ زينب الغزالي:
"والحق أن كل شيء في هذه الأمة يمتهن ويمسخ ، كل ما فيها ومن فيها. حتى رجال
القانون والقضاء الذين روى التاريخ نزاهتهم في كل عصر وكانت شجاعتهم في الحق مضرب
الأمثال، رأينا بعضهم في السجن الحربي مسخا مشوها وباطلا مزورا، يكذبون في شجاعة
ويخافون الباطل ويدافعون عنه بجرأة . يهددون المتهم إذا لم يوقع على ما يسجلونه ويقر بكل ما يكتبونه ، بالعودة إلى مكاتب التحقيق بالسجن
الحربي!! نظر وكيل النيابة إلىّ وضمادات الشاش تغلف قدمي ويغلف نفسي إعياء وضعف . . (...) والتفت إلى وكيل النيابة
بوجه جامد ثم قال : يا زينب ، في هذه الملفات والدوسيهات أقوال الإخوان المسلمين كلها، واضح فيها موقفك جيدا،
وأريد الحقيقة منك أنت، هذه حقيقة قالها حسن الهضيبي ، وقالها سيد
قطب ، وقالها عبد الفتاح إسماعيل وقالها جميع الإخوان . . أريد يا زينب أن تتخلى
عن عنادك وألا تضيعي وقتنا فيما لا يفيد . . والأمر بسيط جدا إعادتك إلى التعذيب مرة أخرى..
وأخذ يوجه إليّ الأسئلة وأنا أجيب . ولكني لاحظت عجباً !! كنت إذا أجبت على
سؤال ببضعة كلمات أجده يملأ صفحة كاملة على إنها إجابة مني
!!
أثارني ما لاحظته فقلت لوكيل النيابة المحقق : ماذا يا
أستاذ قناوي ؟ إنني أجبت على سؤال واحد في كلمات قليلة ..
فقال : إنني أساعدك (..) قلت:.... إنما ما أهتم به . ألا يكتب
باسمي إلا ما أقول . فقال سأقرأ عليك
فيما بعد كل شيء . وقلت في هدوء وما الداعي مادمت تكتب من عندك . لا داعي لأن
أتكلم وليكتب كاتب النيابة ما تريد على أن يكون في علمك أنني لن أعترف إذا كان هناك محكمة .. إلا بالذي أقوله أنا لك !! .
وعاد إلي سؤالي . قال
: أنت قلت : عبد الناصر كافر وحكومته كافرة والمجتمع كافر أيضاً.
قلت : نحن لا نكفر
أهل القبلة . (...) ثم عاد يسألني سؤالاً آخر فقال : أنتم كنتم تريدون قتل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ . قلت : إن المشغولين بالدعوة لدين الله
وعودة الأمة الإسلامية إلى حياة الناس لا ينشغلون بهذه الأمور السخيفة . ثم يوم
يعود المسلمون لدينهم فستنتهي كل هذه الرذائل ، وستتخلص الأمة من هذا التسيب المقيت ، وعبادة الشيطان في هذه الصور
المختلفة التي فتنت الأمة وانهارت بها هذا الانهيار
الذي جعلها غثاء كغثاء السيل .
كان وكيل النيابة محمد القناوي يسمع منى كلاماً ويكتب
غيره أو يحرفه أو ينقل كلاماً آخر من الملفات المرصوصة أمامه . وهكذا كانت خيمة
النيابة على هذا النمط الغريب العجيب عشرة أيام . وكان المستشار محمد عبد السلام
يتردد على الخيمة ويسأل القناوي عن الوضع ويقول له : أبذل جهدك .. وينصرف .
وفي الخيمة قلت للقناوي : إني أرى شيئاً عجباً . أرى
رجال القانون والقضاء في غابة يتعايشون مع وحوشها ، يلقون عن أنفسهم ثياب القضاء
ويرمون من فوق أكتافهم أردية القانون والعدل قال : نحن نحرص على تخليصك وإنقاذك من
الإخوان ليس لك بعد أقوال الهضيبي وسيد قطب وعبد
الفتاح إسماعيل إلا شيئا واحد هو الإعدام
.
وما رأيك في كلام الهضيبي وسيد قطب وعبد
الفتاح إسماعيل ؟ قلت أنتم تختلقون عليهم الكذب وهؤلاء هم طليعة الجماعة المسلمة . قال : وهل نكذب على أحد ؟ أنت لا تقولين الحقيقة وتكذبين . قلت أكذب
على من ؟ . قال : على الحكومة وعلينا نحن رجال النيابة . قلت أنت مصدق أنك من رجال النيابة ومن رجال القانون .
قال : سأقفل التحقيق وأعيدك إلى مكاتب التعذيب .. (...)
أمرني بالتوقيع على ما كتب فرفضت . فأعادني مرة أخرى إلى
المكاتب وجلدت من جديد وأعادوني مرة ثانية إلى مكاتب التحقيق
..
وانتهت مهزلة التحقيق ..
***
أعترف أنني أوردت الاستشهاد السابق والمرارة تقتلني، ذلك
أن الحاضر معبق بشذى الموقف البطولي لرجال نادي القضاة، ولقد قدرت في البداية أنه
من مجافاة الذوق أن أذكرهم بمساوئ موتاهم، لكنني تذكرت على الفور، أن تلك النماذج
البشرية الشائهة الممسوخة التي وصفتها المجاهدة زينب الغزالي لا تمت إلى القضاء الحقيقي
بسبب و إن ألبسهم الطاغوت الفاجر طيلسان القضاة و أسبل عليهم أوشحة رصعها
بشاراته.. لم يكونوا قضاة وإنما
كانوا نطف كذب نجسة في رحم التاريخ.
أنا لم أخرج على الموضوع يا قراء..
إنني أطرح أمامكم أحوال القضاء التي أُعدم تحت ظلالها
الظالمة شهيدنا الغالي.. واثقا أنكم تدركون دون أن أقول أن جزءا من مشروع سيد قطب كان
حتما أن يتناول قضاة النار.. قضاة الطاغوت.. أولئك القضاة الذين باعوا دينهم
وضميرهم ووطنهم بثمن بخس، فلم يكونوا
الأحمق فقط، بل الأكثر حمقا، لأنهم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم.
أولئك القضاة الذين
وافقوا ودعموا وفصلوا القوانين التي حوكم بمقتضاها الإخوان والتي لا يذكرها
القوميون أبدا كوصمة عار تجعل من تاريخ الثورة تاريخ ترويض الأمة وتسليمها
لأعدائها منزوعة النخوة والقدرة على المقاومة. وصمة العار التي جعلت محمد حسنين
هيكل يصرح للمصري اليوم(8/5) أن:
"الشارع مش هايعمل تغيير.. هذا الشارع نحن مزقناه"..
نعم.. مزقوه.. والقول صحيح بأكثر مما يقصد هيكل نفسه..
إلا أنني قد تنبهت
إلى حقيقة هامة و أنا أراجع ترسانة القوانين حين تحول القانون إلى سمين في يد
مجنون أو مجرم.. فعلامات التاريخ متشابهة والحذاء الذي ضرب المستشار محمود حمزة هو
نفس الحذاء الذي ضرب المستشار عبد الرازق السنهوري.
تنبهت إلى حقيقة
هامة أن التاريخ يمكن أن يُقرأ بصورة أكثر دقة مع قراءة القوانين التي صدرت إبان
هذه الفترة التاريخية أو تلك. إنه شيء أشبه بعمل الطبيب الشرعي مرة أخرى، أو بعمل قصاص الأثر أو القيافة. إنه عمل يستمد مصداقيته من تجاوزه للكذب
الإنساني.
ولنضرب مثلا بالحاضر، فإن تناول تعديل المادة 76 من
الدستور وتأجيل انتخاب المحليات، وإعلان
تمديد الطوارئ، و إزاحة بعض صناع القرار من مراكزهم دون شغلها كي تتهيأ
لاستقبال القادم، بل وبعض الفضائح والجرائم التي تثار حول كل من يمكن أن يشكل
منافسا على انتخابات الرئاسة، أقول أن قراءة تلك القوانين والأحداث، قد تظل عديمة
الترابط، وعصية على الفهم، حتى توضع في إطار
التصور الشامل لما حدث، لتصبح في هذا الوضع الجديد أكثر صدقا و أدق تعبيرا
عن نوايا توريث الحكم، رغم أي نفي معلن!..
نعم .. في إطار التوريث سوف يفهم تماما كل قانون: لماذا صدر.. وكل تعديل لماذا استحدث، وكل حادثة لماذا
حدثت.. ( وهذا مجال يستحق دراسة
مفصلة من أحد الباحثين)..
كذلك، وعلى نفس المنوال، فإن مراجعة القوانين التي صدرت
في الخمسينيات والستينيات، سوف تدل على نوايا ترويض الأمة – بوعي أو بغير
وعي- وعلى سبيل المثال فإن المسارعة
بإنشاء سجون جديدة و تجهيز القديمة بسرعة فائقة قبيل حادث المنشية عام 1954 وكذلك
قبل اكتشاف ما سمي بتنظيم 1965 إنما يشير إلى النية المسبقة على العصف بالإخوان
المسلمين، وطبيعي أن يواكب ذلك تلفيق القضايا لهم. أما ترسانة القوانين فهي تكشف ما خفي، بل وتشير إلى
التفاصيل التي لم يعترف بها
مصدر آخر. فقط بعد وضعها في
سياقها وفي إطار التصور الشامل لما حدث. تماما كما تكشف القوانين الراهنة مخطط التوريث.
إنني أتحدث هنا عن
تاريخ القوانين ليس بتعريفها في مناهج القانون كأداة ربط بين القوانين الحالية في
خطوطها العامة وبين الجذور التي استمد المشرع منها هذه القوانين سواء كانت سماوية
أو وضعية. لا أقصد ذلك .. بل أقصد معنى آخر.. ما أقصده هو دراسة الفترة التاريخية التي أُصدرت خلالها هذه
القوانين.. حيث لم تصدر القوانين كتلبية طبيعية لحاجات المجتمع.. بل صدرت كآلية
لتنفيذ مؤامرات السلطة ضد الأمة.. أصدرها كلاب للنار يسمونهم "ترزية
القوانين".. في الماضي كانوا مستترين والآن جاهروا..إنها حيلة السلطة المجرمة التي تتآمر على أمتها..
وتدرك أن قانونها الراهن لن يسعفها لحصار الأمة أو قتل زعمائها.. لذلك فإنها تبتدع من القوانين ما يمكنها من ذلك.. الأمر مثل أمر عصابة تجهز
لعملية سطو.. فتعد من المعدات ما
يمكنها من إتمام عملية السطو تلك بنجاح.. لكن في حالتنا تلك فإن السلاح لا يقتصر على النار فقط.. بل
يشمل تجهيز مواد القانون أيضا. وهي قوانين كالشراك الخداعية الكامنة كي تصطاد
الأسود حين تمر..
في القوانين
التالية سوف نقرأ سرد أحداث محاولة القضاء على الإخوان المسلمين، لا كحزب سياسي،
بل كالجزء الباقي من فلول جيوش كانت كتائبه تشكل جيش الإسلام المجاهد. سوف نقرأ هذه القوانين التي جعلت هيكل
يصخ بعد خمسين عاما لينطق بالحق دون أن يقصد: ".. هذا الشارع نحن مزقناه " ..كانت هذه الترسانة من
القوانين هي التي مزقت الشارع وقد صدرت لتفكيك الإسلام، للقضاء عليه، وكان ذلك
مطلبا أمريكيا كما هو سوفياتي، وقبل هذا و ذاك كان مطلبا
إسرائيليا. نعم.. إن العقلية القومية الناصرية التي اعتبرت الإخوان المسلمين محور
شر و إرهاب.. هي ذات العقلية
الصليبية الصهيونية التي أعلنت الحرب العالمية على الإسلام، وما القوانين التي
يصدرها الكونجرس الأمريكي اليوم إلا امتدادا وتدعيما و إكمالا للقوانين التي شرعها
مجلس الأمة المصري تحت ظلال الناصرية والاشتراكية والشيوعية والعلمانية.
من هذه القوانين - كما يذكر النائب العام الأسبق
المستشار محمد عبد السلام في كتابه: سنوات عصيبة-
القانون رقم 119لسنة 1964 و الذي تجيز المادة الأولى منه للإدارة اعتقال المواطن بإرادتها وحدها، في
معزل عن أية رقابة قضائية ، ولمدة غير محددة ، ودون أي تنظيم يكفل لها المراجعة أو
حتى التذكرة ولو لم يقع من الشخص ما يريب وذلك لمجرد كون الإدارة نفسها سبق لها
اعتقاله ولو لغير سبب أو حتى نتيحة خطأ، أو لمجرد
وقف الإدارة مباشرة حقوقه السياسية، حتى لو كانت قد سمحت له بممارستها من بعد، أو
لمجرد تطبيق القوانين الاشتراكية عليه ،
وهو تعبير يتسع لكثير من القوانين التي لا يحمل تطبيقها مظنة أي تهمة أو
مخالفة ولمجرد سيق صدور حكم عليه من محاكم أمن الدولة ، ولو كانت محكمة جزئية ولو
كان حكما بالغرامة في جريمة عدم الإعلان عن الأسعار مثلا
.
وقد خولت المادة الثانية النيابة العامة سلطات استثنائية
تمارسها بعيدا عن رقابة القضاء العادي أيا
كان شخص مرتكبها بل ونزعت اختصاص القضاء العادي بنظر هذه الجرائم وهى أخطر ما في قانون العقوبات ونقلته إلى محاكم
تشكل بقانون الطوارئ مما يتيح قيام قضاء استثنائي في الظروف العادية يقتصر تشكيل
المحاكم فيه على العسكريين .
وفي المادة
الثالثة شرع القانون فرض الحراسة. أما المادة الرابعة فإنها تحصن هذا القانون جميع القرارات الصادرة إعمالا له من أي طعن.
ولقد أسند
القانون رقم 150 1965 بأحكام القانون رقم 119 / 1964 إلى كل شخص سبق ضبطه أو التحفظ عليه في الفترة ما بين أول
مايو 1965 وآخر سبتمبر 1965 ( لاحظوا التواريخ يا قراء) مع النص على عدم جواز الطعن بأي وجه من الوجوه في
الأوامر أو القرارات التي أصدرتها
السلطات قبل العمل به أو في القرارات الصادرة نفاذا له.
وفي نفس السياق تكفلت مواد أخرى بإطلاق سلطة اعتقال أي مواطن لمدة غير محدودة ولغير
سبب محدد ودون أي إجراء يكفل سماع دفاعه أو يمكن الإدارة ذاتها من المراجعة أو
التذكرة وإلى حرمان المقبوض عليه من
التظلم في أمور حبسه كما تضمنت هذه
القوانين اختصاصات المحاكم العسكرية والاستثنائية وقوانين الطوارئ، بل وثمة قوانين
قد صدرت- لأول مرة في التاريخ- على أن تنفذ بأثر رجعي!!.
***
كانت السلطة قد قضت على كل القوى الحيوية في المجتمع، وكانت
قد أمنت الجيش بعد أن قضت تماما على المعارضة فيه، وقضت – أو ظنت- على الإخوان
والوفد، وقضى الشيوعيون على أنفسهم .
***
تم سحق كل الجبهات وبقي سحق الأفراد.. وقد كان لهم
مخطط آخر..
في كتابه" في خدمة السلطة" ينقل الدكتور محمد الجوادي عن الكاتب الصحافي جلال الدين الحمامصي قوله :
" ..فقلت إن مصر ستواجه ضغطا أو حصارا اقتصاديا ، وإن علينا أن نستعد لذلك.
ونظر – جمال عبد الناصر- إلىّ بعض الوقت وقال معلقا على رأيي:
"إن هذا الحصار لن يؤثر علينا إطلاقا لأن الشعب المصري ينقسم إلى ثلاث
فئات: الفئة الكبيرة التي تعيش على الجبن والبتاو وقطعة البصل، والفئة الأخرى هي فئة نادى
الجزيرة (ويعنى بها فئة الأرستقراطية ) ، وهؤلاء أستطيع
جمعهم في معسكر بالصحراء تحيط به الأسلاك الشائكة
ويظلون هناك إلى أن أشاء.. أما الفئة الثالثة فهذه أستطيع إمساكها من
لقمة العيش..!!..
وكان يعنى بذلك التحكم في رزقها ومالها
ودخلها!!
وكانت هذه أول مرة أستمع فيها إلى هذا
السلاح الجديد.. سلاح لقمة العيش، ولا أظن أن هذا التفكير أو هذا التخطيط
الشعبي طرأ عليه فجأة ء بل من المؤكد أنه فكر فيه من قبل، وأنه قد اتخذ قرارا بأن يحول مصر إلى مزرعة تدار لحساب الإقطاع الثوري
الفردي، بحيث يصبح كل فرد في هذه المزرعة
ملكا له . فإما أن يخضع له ولأفكاره ء وإما أن يحرم لقمة العيش حتى يخضع أو
يموت ذليلا..( كتاب حوار خلف الأسوار)
ويعلق الدكتور محمد الجوادي على ذلك بقوله:
ويبدو لي أن الحمامصي كان محقا إلى حد كبير في
رؤيته هذه ء وقد أورد فتحي غانم في كتابه " المعركة بين الدولة
والمثقفين" تفاصيل دقيقة عن حوارات
استمع إليها تؤيد تفكير عبدا لناصر في هذا الأمر بهذا الأسلوب العجيب !
...
سبحانه..
تتهاوى أردية الكذب رداء بعد رداء..
وتسفر الحقيقة بهية كوجه الصبح..
وتنكشف العورات..
***
لن أمل أبدا من
التركيز على أن الآليات المجرمة التي اتبعت في الماضي لتفتيت الأمة هي ذات الوسائل
المتبعة الآن.
كان القضاة – كعنوان للحقيقة- يشكلون رعبا للطاغوت فحاول
ترويضهم.. فلما لم يستطع
حطمهم في مذبحة القضاء فما لبث أن تحطم هو وعاد القضاء، وهو نفس ما يحدث الآن.
كان الطاغوت قد نجح في تشويه الرمز وتدنيس المحراب ببعض
قضاة النار.. وفي تدارس الماضي إجابة مريرة لسؤال أشد مرارة. سؤال يفري كبدي، هذا السؤال يقول:
لماذا تتخلى الأمة
عن شوامخها الذين يعتصمون في نادي القضاة دون أن تشكل حولهم سياجا يحميهم لتكون
لهم محجرا حول العين وضلوعا تحيط بالقلب.. لقد كنت أتوقع أن يخرج الملايين فلماذا لم يصل العدد حتى
للمئات..؟
لماذا؟!..
أما الإجابة فهي أن ممارسات قضاة النار والنيابة منذ
خمسين عاما كان الطاغوت قد مزق العلاقة بين الأمة وبين شوامخها، وطغى قضاة النار
على قضاة الجنة، لا بالعدد بل بالصوت وبالمناصب التي منحها الطاغوت لهم، فلما
استجمع الشرفاء الشوامخ قواهم للمواجهة كانت الأمة عاجزة بالتمزق القديم في
العلاقة..
الطاغوت الذي مزق تجمع
القضاة ودهس القانون بحذائه منذ خمسين عاما كان يمهد لتلك اللحظة الراهنة الآن
ويتوقاها ويوسع الشقة بين الناس وبين قضاتهم..
كان موقف الطاغوت نطفة كذب نجسة لقح بها
التاريخ كي ينجب له جيلا مشوها لا يهرع لنصرة شيوخه ..
كان الطاغوت الموكول إليه المحافظة على وحدة الأمة
يفتتها ويبث فيها الخراب..
كان يقتل كل قيمة
شريفة ونبيلة لتعلو قيم القسوة بدل الرحمة والخداع بدل الوفاء والكذب بدل الصدق..
كان وما يزال..
***
لا يقتصر الكذب على الاستراتيجيات الكبرى بل هو
سمة أخلاقية شاملة لحد مذهل، منذ أسابيع كنت أطالع الأهرام ففوجئت بعنوان خبر
مقتضب يقول :
"خلال القبض
علي12 شخصا أمام نادي القضاة- إخلاء سبيل رئيس محكمة وشقيقه فور الإطلاع علي
شخصيته"
وفي نفس اليوم 25-4 كانت صحيفة
المصري اليوم تنشر حقيقة ما حدث:
عندما قام الضابطان بالاعتداء علي بالضرب والسب،
صرخت: «حاسب.. أنا مستشار.. رئيس محكمة شمال القاهرة» فجاء الرد صارما: «أخرس يا
كلب».. ثم فوجئت بـ٤ أمناء شرطة يمسكون بشقيقي أحمد ويعتدون عليه هو
الآخر(...) واستمروا
في الاعتداء علي دون رحمة والنظر لتوسلاتي، بعد أن سمعت شتائم لم أسمعها في
حياتي(...) وكنت أنزف بشدة،
ثم أغلق الضابطان وأمناء الشرطة باب السيارة، ولم أتوقف عن النداء: أنا رئيس
محكمة، ولم يسأل أحد في أو في شقيقي. (...)
شعرت بحالة من الإغماء(...) لم
أتصور قبل أمس أن هناك ضباط شرطة يقومون بإهانة الناس
والمواطنين بهذه الطريقة الوحشية(...) أنا
علي سرير المرض انضم إلي كل صوت يطالب بإقالة وزير الداخلية فهذه الاعتداءات لم
تحدث حتى في عهد الملك مينا.
القارئ
يعلم من التفاصيل أكثر من ذلك فالجريمة شاهدها مئات وربما آلاف الناس جلهم
مستشارون وقضاة كما نشرتها الصحف و أذاعتها الفضائيات، فالرجل أعلن عن شخصيته منذ
البداية فأخذوا يضربونه بالأحذية بوحشية حتى كسروا له ثلاث فقرات وبعض الضلوع
والترقوة وأصابوا الكلية إصابة جسيمة.
نعود إلى عنوان الخبر في الأهرام:
"خلال
القبض علي12 شخصا أمام نادي القضاة- إخلاء سبيل رئيس محكمة وشقيقه فور الإطلاع
علي شخصيته"
صرخت لماذا تتستر الأهرام
على هؤلاء الوحوش، إن رئيس تحرير
الأهرام – كما حفلت الأدبيات السياسية دائما- أقوى من رئيس الوزراء.. فلماذا
يتستر.. لماذا يكون بوقا للباطل.. لكنني ما أن بدأت في قراءة تفاصيل الخبر
حتى خرست. لم يكن الأهرام هو
الذي يتكلم.. بل كان ينشر
بيانا للنائب العام!!..
بعد العنوان كانت تفاصيل الخبر تقول:
في بيان للمستشار ماهر عبد الواحد النائب العام
صدر أمس, أكد أنه خلال إزالة إشغالات الطريق بشارع شامبليون أمام مقر
نادي القضاة, ألقي القبض علي12 شخصا تصدوا لمسئولي حي غرب القاهرة ورجال
الشرطة, بالإضافة إلي شخصين أحدهما يحمل سلاحا ناريا, وكان يقوم بتصوير
الأحداث بكاميرا هاتفه المحمول, فتم ضبطه, والتحفظ علي سلاحه, والهاتف
المحمول الخاص به. وأوضح البيان أنه في أثناء نقلهم
بسيارة الشرطة أطلعهم شخص علي شخصيته, وأنه يعمل رئيسا بمحكمة شمال القاهرة,
فأخلت الشرطة سبيله علي الفور ومعه شقيقه, وتم إخطار أحد أعضاء مجلس إدارة نادي
القضاة بوصوله وشقيقه إلي المستشفي للعلاج.
قرأت..
وذهلت.. وعجبت .. ودهشت.. وخرست..
بعد ذلك كذبت صحف أخرى وادعت أن المستشار حاول استخدام سلاحه ضد الشرطة. وتصورا هذا الخيال الفقير الغبي حتى في
الكذب الذي لم يعد يعرف حياء.. يرى المستشار عشرين ألف وحش آدمي مدججين بمختلف الأسلحة فيشهر عليهم
مسدسه.. مجرد مسدس!!..
ومرة أخرى فقد أوردت كل هذه التفاصيل فقط لأقول هكذا تم التعامل مع المستشار محمود
حمزة سنة 2006 فلا تندهشوا ولا تنكروا ما حدث للمستشار على جريشة فيما سمي
بتنظيم 1965.
***
لم يقتصر الأمر أيضا على القضايا السياسية.. ففي
قضية أصبحت تتكرر كثيرا مع المواطنين.. عاتب الممثل حسين فهمي أحد الضباط لأنه صدم
مواطنا ثم ولى هاربا فلحق الممثل به وعاتبه، كان العتاب
رقيقا ومهذبا كما يصف حسين فهمي، لكن الضابط الذي لم يتعود أن يعاتبه أحد لفق له
قضية سب وقذف، وليفاجأ الممثل بعد شهور بالمحكمة تصدر ضده حكما بالسجن 6 أشهر والغرامة500 جنيه بتهمة السب
والقذف والاعتداء على ملازم شرطة ومجند.
ومرة أخرى أنا لا
أقصد حسين فهمي ولا تهمني قضيته..
لكنني أريد أن أثبت كيف تدون محاضر الشرطة وكيف تزور في
قضايا لا تحتاج إلى هذا الكذب، لأن المغنم منها ضئيل وحقير فكيف يكون الكذب إذا
كان المغنم هو صولجان الحكم..
يا قراء: أنا لا أخرج عن السياق بهذه الحكايات الجانبية.. لكنني
أريدها أن تكون في مخيلتكم ووجدانكم و أنتم تقرؤون لكلب من كلاب النار يستشهد
بمحاضر الشرطة و أحكام المحاكم الاستثنائية
ضد الإخوان المسلمين.. وكل ما
يستشهد به كذب في كذب..
ولا أريد أن أخوض كثيرا في قضاة النار ولا في نواب
عموم النار ولا وزراء عدل النار.. يكفي أن أقول لكم أنه كلما كان الواحد
منهم يقترب من النار أكثر كان يقترب من قمة الحكم أكثر.. وفي مرات عديدة كان
التزوير هو الباب الملكي –
الجمهوري- في حالتنا!!-
إلى المنصب ..
( جملة اعتراضية: قاض في الجنة وقاضيان في النار.. لكن.. كم تبلغ
النسبة لوكلاء النيابة ورؤسائها.. خاصة نيابة أمن الدولة)..
لقد نبهنا العلامة المستشار طارق البشري إلى محاولة
حاشية الملك رفع سن إحالة القضاة للمعاش كي يتيح لدائرة معينة الحكم على أحمد حسين
– زعيم حزب مصر الفتاة- بالإعدام.. كما
أن ما حدث في الستينيات يتشابه تشابها مذهلا مع ما يحدث الآن..
و إنني
أرجوكم يا قراء أن تعطوني انتباهكم كله و أنا أعرض عليكم نداء موجها من نادي
القضاة إلى رئيس الجمهورية يقولون فيه:
السيد الرئيس (...)..
"مجلس
إدارة نادى القضاة المجتمع اليوم بدار النادي بالقاهرة
(...)
ينهى إلى سيادتكم باعتباركم المرجع الأعلى والأخير والحصن
الذي يحتمي فيه جميع المواطنين أن مجلس القضاء الأعلى قد نظر مشروح قانون استقلال
القضاء وأدخل عليه تعديلات جوهرية . وأن هذه التعديلات لو كانت قد عرضت على المجلس
التنفيذي الموقر لما أقر المشروع بصورته الراهنة، ولذلك فإن رجال القضاء إذ يلجأون
إلى سيادتكم يثقون بأنكم ستأمرون بإعادة بحث مشروع قانون السلطة القضائية على ضوء
التعديلات التي رأى مجلس القضاء إدخالها عليه . . "
المحزن أن السيد الرئيس حول لشكوى إليه إلى المشكو منه.. إلى طاغوت مزوّر أسندوا إليه وزارة العدل
لا ليقيم صرحه بل ليذبحه.. حول الرئيس الشكوى إلى وزير العدل الذي استشاط غضبا
وراح يفكر في التخلص من مجلس إدارة النادي بمقولة إن النادي يتدخل في غير عمله .. وكان نتيجة لذلك أن اجتمع مجلس
إدارة نادي القضاة واحتج على وزير العدل وقرر إرسال برقية بهذا الاحتجاج إلى السيد
رئيس الجمهورية .. وفيما
يلي نصها:
" السيد الرئيس (...)
تحية وإجلالا. .
في مكان بارز وتحت عنوان ملفت ظهرت جريدة الأهرام
اليوم وبها خبر فحواه أن وزارة العدل أعدت مشروح قرار
بإعادة تنظيم نادى القضاة وتعديل وظائفه الأساسية
بتأليف مجلس إدارة النادي من أعضاء معينين ومنتخبين، كما يتضمن أن السيد وزير
العدل سيصدر قرارا بتشكيل مجلس مؤقت لإدارة النادي من أعضاء يعينهم هو. . ولما كان
رجال القضاء لم يصدر منهم ولا من ناديهم ما يبرر هذا الإجراء الصارخ فقد عجبوا أشد
العجب أن تمتد يد الوزير فتتناول بالهدم والتقويض دعائم ناديهم في وقت يسود فيه
رجال القضاء ود شامل ويظللهم تعاطف سابغ وتحدوهم قيادتكم الرشيدة . وإذا كان رجال
القضاء بعيدين عن سبب هذا الإجراء كما أن ناديهم براء منه فقد أيقنوا أن ما حدا
بالسيد الوزير إلى مثل هذا الإجراء هو الشكوى التي أرسلوها إلى سيادتكم بشأن ما
يريد الوزير إدخاله من تعديل على أحكام قانون السلطة القضائية ، وبذلك بدأ الوزير
سلسلة أخرى من هجماته على رجال القضاء وتحديه لهم فاختار أن يهاجمهم في عقر ناديهم
بغير ما سبب أو مبرر (...) إن فيه اعتداء على كيانهم
وكرامتهم وقد سبق أن عرضت الفكرة التي يقوم عليها مشروع وزارة العدل على الجمعية
العمومية لرجال القضاء والنيابة في 17 من يناير الماضي فرفضته بالإجماع .."
***
هل لاحظتم
شيئا يا قراء؟!
أعترف..
لقد أوهمتكم أن الرسالتين السابقتين قد قدمتا للرئيس مبارك.. ولم يكن ذلك
صحيحا.. إنما يكرر الماضي نفسه.. فقد وجهت
الرسالتان السابقتان إلى الرئيس جمال عبد الناصر في أبريل ويولية
عام 1963!! وقد أوردهما المستشار
ممتاز نصار في كتابه: "محاكمة ثورة يوليو".. دار الشروق..
أقول أن الكفر ملة واحدة..
و أقول:
على المدى البعيد كان الطاغوت يمزق الوشيجة بين القضاة وبين الأمة ليضمن أن الأمة
لن تهرع لحماية شيوخها إذا ما قرروا الدفاع عن العدالة ولو بعد خمسين عاما..
ومن الناحية الأخرى كان الطاغوت يرهب القضاة ويسن
قوانينه كي يذبح بها العدل..
وكان الطاغوت يمهد بقوانينه المصطنعة لذبح شهيدنا الغالي..سيد
قطب..
نعم.. فعلها الطاغوت..
و قتل الأذلٌّ الأعزَّ..
***
]]]
]]]
]]]
حاشية1
يــــــــــــــــــــــــــــــــــارب
لا أريده أن يستقيل أو يتنحى أو حتى يموت..
أريد أن أراه في القفص يُحاكم.. ويقر .. ويعترف..
]]]
حاشية 2
حقير
ليس سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه
و أرضاه، كما قال الكاتب الناصري الأمريكاني
الحقير، و إنما أقصد آخر.. نعم.. هو من يجول بخاطرك أيها القاريء الآن.
]]]
حاشية3
منافق
ودموي وجرم وكذاب
ألا تصلح هذه الصفات للإشارة إلى مليون من النخبة، الحمد لله، فمن غير المحتمل
أن يقوم المليون برفع دعاوى السب والقذف ضدي.
]]]
حاشية4
مجنون وكذاب
انظروا نموذجا لكتابة أحدهم:
الخطر الأساسي اسمه الاستعمار الوهابي وكثير
من السلوك الديني الآن انعكاس لتأثير الفكر الوهابي علي مصر، فكر يتمسك بشعائر
وطقوس معينة ولا يهتم بأخلاقك الدينية، فكر يجعلك تصلي وتصوم وتزكي وتتحجب وليس
مهما أن يكون لديك أخلاق أو قيم دينية. تأثير الوهابية كبير، أعتبره مثل تأثير
الصهيونية، الصهيونية عدو خارجي والوهابية سرطان آت من الداخل، خلايا سرطانية لا
تستطيع أن تتعامل معها موضوعيا، كيف أتصور مثلا أن ٩٩% من أمهاتنا لم
يكن محجبات والآن الحجاب من أجل إرضاء هذه الثقافة فضلا عن أنه بالفعل غطاء للفقر
وليس غطاء للرأس وهو سلوك أيديولوجي داخل الثقافة الوهابية، حجاب علي العقل والقلب
كما قالها الراحل زكي نجيب محمود: هل لك أن تتصوري
مريضة تشكو من حالة اكتئاب شديدة يرجع تاريخه إلي اليوم الذي ارتدت فيه الحجاب
وعندما قلت لها: لماذا لا تخلعينه، قالت: لا أستطيع، زوجي لا يوافق والظروف أقوي
مني.
]]]
حاشية 5
فضيلة المفتي والفتوى المضادة
أعترف أنني بدأت هذه الحاشية ناويا
السخرية من فضيلة المفتي، إلا أنني فوجئت بأإن ما ظننته
سخرية قد انقلب إلى جد.
كنت أنوي التعليق على فتواه بقتل المتشددين والإرهابيين
الذين يهاجمون المدنيين دون حوار معهم..
كانت الفتوى رخصة شيطانية مجانية تفوض
الشرطة في القتل.. رغم أن نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم اشتد في الخطاب على صحابي جليل قتل
مشركا وهو ينطق بالشهادة بعد أن ظن أن المشرك إنما ينطقها للهروب من القتل.. الآن يأتي فضيلة
المفتى ليفوض الشرطة في قتل من لا يوجد في إسلامهم أي شك..
قلت لنفسي ساخرا أنني أوافقه في أنهم أوباش، و أوفقه على أنهم يقتلون
المدنيين، و أوافقه على ضرورة قتلهم دون حوار.. وما أختلف معه فيه أمر واحد
فقط.. هو من هم الذين تنطبق عليهم الفتوى.. فهو يرى ما يراه..أما أنا فأرى أن من تنطبق عليهم هذه
الصفات، ليس المجاهدين، بل الأمريكيين والإسرائيليين..
بعد أن أنهيت فتواي المضادة اكتشفت
أنها صحيحة .. ولا تشوبها شائبة من سخرية.
]]]
حاشية6
بريد
القراء
أرجو من الإخوة أصحاب المجموعات البريدية أن يعفوني من إغراقي بمئات الرسائل
يوميا، الأمر الذي أوصلني إلى العجز عن قراءته رغم ما يحتوي عليه أحيانا من
معلومات هامة.. إنني أرجوهم أن يكفوا..
]]]
حاشية7
لولا
أنه نذر
الكتابة في هذا الجو الموبوء أصبحت
جمرا من النار تقبض عليه اليد فيسري كالنار في العروق ويكوي القلب.. علينا أن نعترف أن
أعدائنا ينتصرون ونحن ننهزم.. و أنهم يتجمعون ونحن
نتفتت.. و أن الضغوط ضدنا تنجح.. فأغوت جلنا مصالح الحياة
القصيرة التافهة لتصبح هي – وليس الجهاد- هي حجر الرحى الذي يدورون حوله، ولولا
نذر نذرته على نفسي ألا أضع القلم من يدي إلا بعد أن يتحطم أو أتحطم أو يسلب مني لتوقفت عن الكتابة منذ أمد طويل.. ولو كان الأمر بيد
بشر لطلبت منه أن يقيلني من نذري.. لكن النذر كان لله.. فهو حسبي ونعم الوكيل.
]]]
حاشية8
عادل
حسين
على المستوى
العام: ما أشد حاجتنا إلى حكمته وصفائه وعقله..
وعلى المستوى الخاص ما أشد شوقي إليه..
وعلى المستويين: لقد فقدنا الكثير بفقده..
]]]
حاشية9
مع
مبارك وضد القضاة!!
رغم أن قلبي وعقلي
مع القضاة إلا أنني أفهم موقف الرئيس مبارك و أتعاطف معه، كما أنني أعتب على
الكتاب الشرفاء الذين لا يقولون الحقيقة كاملة، فالرجل إن نفذ للقضاة مطالبهم فقد
هلك..
لأنه إن طاوعهم على
عدم تزوير الانتخابات فسوف يسقط بحزبه سقوطا مخزيا ومريعا..
و إن طاوعهم على الطهارة والشفافية لغيبوا الرؤوس وراء القضبان..
و إن طاوعهم على الحكم بالحق لكانت أعمدة النظام متهمة بالخيانة العظمى..
فكيف يريدون منه أن
يوافق على كل ذلك.
]]]
حاشية 10
تعذيب..
يا رب.. أرنا فيمن يعذبون الناس يوما كالذي رآه الإيرنيون في كلاب السافاك..
]]]
حاشية 11
ظلــــــــــــم
قال لي صاحبي:
وظلم ذوي
القربى أشد مضاضة... على النفس من وقع الحسام المهند..
وقلت لصاحبي في ألم كظيم وهم عظيم:
-
إن كان ظلمهم أشد على النفس من السيف.. فكيف يكون انحرافهم..
]]]